
رحل مدير التوزيع في «الشرق»، أنطوان طرّاف، الآدمي الوفي المواظب على عمله بشغف واندفاع، الصديق الصدوق، حافظة الشعر الراقي وذاكرته، الجليس الأنيس صاحب الحضور الرقيق، العنيد في قولة الحق فلا مواربة ولا مسايرة ولا تساهل في الاقتناع (حتى الإيمان) بريمون إده الى حدود التقديس.
عرفت الراحل العزيز في «الشرق» منذ ردح من الزمن، فوجدت فيه الوفاء والصدق والأمانة، وقولة الحق ولو في حضرة سلطان جائر.
ولعل أكثر ما التقينا عليه أننا (وأعترف) لم نستطع ان نغادر ذلك اللبنان الجميل، وما زلنا غير مقتنعين بأن هذا المسخ هو ذلك الـ «وطن النجوم».
أما لقاؤنا على حب ريمون إده فكان يميّزنا فيه أن الطراف كان كتلوياً وأما أنا فلم أنتمِ الى أي حزب، مكتفياً بصداقات مع رئاسات وقيادات حزبية، خصوصاً تلك القامات العملاقة، وقد دخلت في محراب صداقتها وأنا في ريعان الشباب فيما كانت هي تعانق غروب شمس العمر.
وكان أنطوان الطراف، الى ذلك، راويةَ شعرٍ بذاكرة فيل، فلم يحل تقدمه في العمر دون تحفيز الذاكرة على بديع القصائد ورقيق الأبيات، لاسيما من الشعر اللبناني المعاصر في مختلف أغراضه، من الغزل الى الغضب ومن الفخر الى الوطنية(…). وكثيراً ما كان يجلس قبالتي، في مكتبي، فيستل قلماً وورقة ليترك «في عهدتي»، كما كان يقول، هذه الأبيات لهذا أو ذاك أو ذلك من الشعراء، وبينهم مغمورون كان يرى فيهم مجلّين، و «كبار» كان لا يتردد في انتقاد بعضٍ من إنتاجهم الشعري.
وكثيرا ما كان يلفته حرصي على أصول اللغة العربية الرائعة وتجنبي الخضوع الى ما يُعرف بِـ «الأخطاء الشائعة».
ولأنني ممن يحفظون عن ظاهر قلب آلاف أبيات الشعر فلم يخلُ لقاؤنا من المقارنة بين شعر زمنٍ مضى وشعر هذا الزمن.
ويطول الكلام على الفقيد الغالي أنطوان طراف، هذا الذي كنت أأنس إليه في اشتداد الظلمة على الوطن الحبيب الذي افتقده جيلنا، ولأن المقام لا يتسع الى المزيد أكتفي بانطباعين:
الأول – عندما رحل ريمون إده مات شيءٌ من أنطوان طراف.
الثاني – عندما تراجعت صحافة الورق مات شيء آخر منه(…).
الى رحاب الله يا الصديق العزيز، وأحر العزاء الى السيدة الفاضلة أرملتك سهام وسائر ذويك، والنقيب عوني الكعكي وأسرة «الشرق».
The post شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – أنطوان طراف آخر عشاق ريمون إده appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.


