عبدالله الثاني والمستحيلان الإيراني والروسي
Spread the love

بقلم خيرالله خيرالله

مرّة أخرى، سلط الملك عبدالله الثاني الضوء على الوجود العسكري الإيراني المباشر وغير المباشر في الجنوب السوري وخطره على الأردن والعرب. لا يمكن الإستخفاف بهذا الخطر الذي تفاقم مع الفراغ الذي خلفه تقلّص الوجود العسكري الروسي في الأراضي السورية بعدما أغرق الرئيس فلاديمير بوتين نفسه في الوحول الأوكرانيّة.

من المفيد الإشارة هنا إلى أن ما كان يعتبره الرئيس الروسي مجرّد نزهة اوكرانية تحوّل كابوسا وضع مستقبله السياسي على بساط البحث. بدأت الحرب الروسية على أوكرانيا في 24  شباط – فبراير الماضي. مضت على هذه الحرب خمسة اشهر كاملة تركت آثارها على العالم كلّه، لكنّها انعكست على الوجود العسكري الروسي في سوريا، بما سمح لإيران بأن تصبح اللاعب الأول في هذا البلد الواقع تحت خمسة احتلالات. الروسي والإيراني والإسرائيلي والتركي والأميركي.

تحدث العاهل الأردني في مقابلة مع صحيفة «الرأي» التي تصدر في عمّان عن عمليات تهريب السلاح والمخدرات التي «تستهدفنا كما تستهدف الأشقاء»، وعن ضرورة إقامة «منظومة عمل دفاعي مؤسسي عربي» لمواجهة «مصادر التهديد المشتركة». أضاف: «كما سبق أن أكدت في مناسبات عدة، التدخلات الإيرانية تطال دولاً عربية ونحن اليوم نواجه هجمات على حدودنا بصورة منتظمة من مليشيات لها علاقة بإيران». أعرب بكل بساطة عن أمله في «تغيّر سلوك ايران». مثل هذا التغيير الذي يتطلّع إليه الملك عبدالله الثاني من رابع المستحيلات بالنسبة إلى بلد ونظام لا همّ لهما غير «تصدير الثورة» عبر ميليشيات مذهبيّة تابعة لـ»الحرس الثوري». يعني ذلك، في الواقع، هربا مستمرا من الأزمة البنيويّة التي يعاني منها النظام الإيراني، منذ قيامه في العام 1979. إنّه هرب دائم إلى خارج حدود ايران حيث نظام لا يعترف بالحدود بين الدول ولا بحدود «الجمهوريّة الإسلاميّة». لا علاج لهذا المرض الخطير الذي تعاني منه ايران والنظام فيها. لا لشيء سوى لأن رفع شعار «تصدير الثورة» وتطبيقه مرتبطان بوجود النظام ومصيره.

الأكيد انّ عبدالله الثاني، الذي كان أوّل من حذّر في تشرين الأوّل من العام 2004 من «الهلال الشيعي»، بمعنى «الهلال الفارسي»، أراد توجيه رسالة إلى جهات عربيّة وإلى روسيا التي يمتلك علاقة جيّدة مع رئيسها فلاديمير بوتين. فحوى الرسالة أن تكريس الوجود الإيراني في الجنوب السوري بمثابة تهديد للأمن العربي عموما، بما في ذلك الأمن الخليجي. لذلك تحدّث صراحة عن أنّ عمليات تهريب المخدرات والسلاح «تستهدفنا كما تستهدف الأشقاء». مركزا على ضرورة إقامة منظومة عمل دفاعي مؤسّسي عربيّة» بغية «مواجهة»» مصادر التهديد المشترك.

بعيدا عن اللفّ والدوران، لا ينفع روسيا سوى ان تعود دولة طبيعية وأن تتصالح مع نفسها قبل أي شيء آخر. يبدو ذلك من رابع المستحيلات أيضا. لا يفيد روسيا في شيء، في ضوء غزوها لأوكرانيا، التقارب مع «الجمهورية الإسلاميّة» في ايران من منطلق انّها في مواجهة مع الولايات المتحدة. بات في استطاعة ايران استخدام روسيا لأغراض خاصة بها مرتبطة بصفقة تسعى اليها مع اميركا.

هل في استطاعة روسيا الخروج من الحضن الإيراني؟ سيكون ذلك صعبا جدا. في النهاية، لا يستطيع الرئيس بوتين الإعتراف بانّه اخطأ في حساباته الأوكرانيّة. اعتقد فلاديمير بوتين انّ رد الفعل الدولي على غزوة أوكرانيا ستكون شبيهة بردّ الفعل على دخول روسيا على خط الحرب على الشعب السوري في أواخر أيلول – سبتمبر 2015 تلبية لرغبة ايرانيّة. تبيّن مع مرور الوقت ان سوريا شيء وأوكرانيا شيء آخر، خصوصا من الزاوية الأوروبيّة. لكنّ اللافت أنّ الحرب الأوكرانيّة أثّرت على توازن القوى داخل سوريا، خصوصا على التوازن الذي كان قائما بين روسيا وايران. لم يعد لدى النظام الأقلّوي في دمشق هامش للمناورة في تعاطيه مع ايران، ولم يعد لدى روسيا التي كانت تعتقد انّ لديها اليد الطولى في سوريا دور تلعبه في ضبط الوضع في الجنوب السوري… الذي لديه امتداد في اتجاه الجولان المحتل من إسرائيل أيضا.

تبدو الشكوى الأردنية، وهي شكوى صادقة وحقيقيّة، من تحوّل الجنوب السوري قاعدة ايرانيّة تستخدم في تهريب المخدرات والسلاح إلى الأردن وعبر الأردن مشروعة ومنطقيّة. إنّها شكوى في محلها ولكن ما العمل عندما يتعلّق الأمر بمستحيلين؟ المستحيل الأوّل إيراني والآخر روسي. لا يمكن لإيران ان تتغيّر ما دام لا هدف لها سوى استهداف الأمن العربي بكلّ الوسائل التي في متناول يدها… أمّا روسيا، فلا يمكن الرهان عليها نظرا إلى عجز فلاديمير بوتين عن القيام بايّ مراجعة لمغامرته الأوكرانيّة واستخلاص النتائج التي عليه استخلاصها. مثل هذه المراجعة ستكلفه ثمنا لا يستطيع دفعه.

من حقّ الملك عبدالله الثاني اطلاق تحذير جديد، لكنّ السؤال في نهاية المطاف كيف التعاطي مع المستحيلين الإيراني والروسي؟

The post عبدالله الثاني والمستحيلان الإيراني والروسي appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

المزيد من
المقالات