فخرو في حوار شامل مع “البلاد”: الميثاق كان سيعرض بمؤتمر شعبي بالاستاد بحضور 2000 شخص
Spread the love

منذ العام 1975 إلى 2002 كانت السلطة التشريعية بيد الحكومة والميثاق غيرها

رشحتُ لعضوية لجنة الميثاق لكوني نائبا لرئيس مجلس الشورى الاستشاري

المرحوم عبدالله بن خالد أدار اجتماعات لجنة الميثاق بصدر كبير

لأول مرة تسمع المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وعودة المنفيين باجتماعات اللجنة 

النقلة كبيرة وأهم ما جاء فيها الأريحية التي سادت الحياة في البحرين

المرحوم جاسم فخرو طلب الإعفاء ولم يغادر القاعة حتى آخر اجتماع

قصور جلالة الملك خلية نحل وتعقد اجتماعات مع القيادات السياسية

أعتقد أن جلالة الملك فكر بالميثاق منذ سنوات عدة قبل أن يتولى الحكم

كل التفسيرات القانونية أكدت أن الميثاق مكانته أعلى من الدستور

الميثاق حول البحرين من مرحلة إلى أخرى

أجري الاستفتاء على مدى يومين لكي يتاح للجميع المشاركة

كان الحديث عن إطلاق سراح المسجونين يصنف كجنحة أو جريمة

ندوة نادي الخريجين عن الميثاق شجعت الناس على الكلام

المرأة شاركت في انتخابات 1923 والميثاق أصّل المواطنة بالرجال والنساء

الكثير من الدول غيرت نظامها من نظام الغرفة الواحدة إلى الغرفتين 

9 سيدات ب “الشورى” وهن من أفضل الأعضاء والأكثر نشاطا

بنود الميثاق لم تأتِ من فراغ ومعظمها مأخوذ من دستور 1973 

تطوير بعض أبواب الميثاق مثل الحياة النيابية والحرية الاقتصادية والتعليم

المنسحبون الستة لم يتلفظوا بأي إساءة لا للفكرة ولا للمسودة ولا إلى الأعضاء

الستة كتبوا رسالة ولم يطلع عليها إلا الديوان الأميري وأتلفوا “الديسك”

النقلة كبيرة وجوهرية وغيرت مسار العمل السياسي والاقتصادي

 

بمناسبة احتفالات “البلاد” بذكرى التصويت على ميثاق العمل الوطني، والذي أرسى مفاهيم متجددة ومتطورة وعصرية للنهضة، استضافت الصحيفة في حوار شامل النائب الأول لرئيس مجلس الشورى جمال فخرو باعتباره أحد أعضاء اللجنة العليا لإعداد الميثاق؛ وذلك لتسليط الضوء على أهم مراحل التحول والنهضة التي حققها الميثاق.
أدار الحوار رئيس مجلس الإدارة عبدالنبي الشعلة، قائلا إن ذكرى التصويت على ميثاق العمل الوطني هو يوم وطني أغر، رافعا أسمى آيات التهاني وأطيب التبريكات إلى جلالة الملك المفدى، وإلى ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، وإلى شعب البحرين الكريم بهذه المناسبة العزيزة على قلوب الجميع.
ويبث الحوار كاملا عبر قناة “البلاد” باليوتيوب بالساعة 11 صباح اليوم الاثنين. وفيما يأتي نص حوار “خارج مضبطة الميثاق”:

النقلة النوعية
أنت تنحدر من أسرة اشتغلت وانشغلت بالقضايا السياسية وفي مواقع مختلفة، واقتحمت العمل البرلماني بعضويتك في مجلس الشورى الاستشاري بالعام 1992 الى أن تمت إعادة تشكيل المجلس وأصبح تشريعيا بعد إقرار الميثاق بالعام 2002، هل بالإمكان أن تعطينا لمحة بما كان عليه الوضع قبل الميثاق؟ وما الذي تم تحقيقه والنقلة التي حدثت في إطار الحياة البرلمانية؟
في الفترة من 1992 ولغاية 2002 كانت بعض مواد الدستور معطلة، وبالذات المتعلقة بالحياة النيابية، بموجب الأحكام الصادرة بالعام 1975، والنقلة النوعية التي حصلت كانت منذ أول خطاب لجلالة الملك بالعام 1999 في افتتاح دور انعقاد مجلس الشورى الاستشاري، عندما ذكر في خطابه أنه ينوي البدء في مشروع المجالس البلدية، وإعادة النظر في الحياة النيابية.
النقلة كبيرة وأهم ما جاء فيها هو الأريحية التي سادت الحياة في البحرين، بمرحلة التحول من النظام غير الديمقراطي الى النظام الديمقراطي، والمشاركة الشعبية التي حصلت، وطبيعة السلطة التشريعية ووجودها كسلطة مستقلة.
منذ العام 1975 إلى العام 2002 كانت السلطة التشريعية بيد الحكومة، فالنقلة كبيرة وجوهرية وغيرت مسار العمل، ليس السياسي فقط، وانما الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي أيضا.

أحداث عصيبة
لنعد إلى تلك الفترة والتي صدر بها الأمر الأميري بتشكيل لجنة لإعداد الميثاق.. حدثنا عن هذه الفترة؟
كنا 46 عضوا ممن تم التواصل معهم وترشيحهم للجنة، ولقد كنت مسافرا حينها، وعند عودتي فهمت من بعض الأخوة بأن هنالك تشكيلة لإعداد مسودة ميثاق العمل الوطني، واعتقد بأن ترشيحي كان بسبب كوني نائبا لرئيس مجلس الشورى آنذاك.
لم نعرف ما هو الميثاق، ولكن بحكم قراءاتنا للمواثيق في الدول العربية، وما كتب منها، وبعد أحداث سياسية عصيبة في عدد من دول العالم، تشكل لدينا حالة أن هنالك ورقة أو نظاما أو ميثاقا سوف يكتب، لإعادة الحياة البرلمانية إلى حالتها الطبيعية.

ادارة عبدالله بن خالد
منذ بداية عمل اللجنة، الى أن تم الانتهاء من المسودة وما تخللها من جلسات ولقاءات طويلة، ما هي أهم المشاهد التي لفتت نظرك بهذا النقاش؟، ونحن يجب أن نقف هنا وقفة إجلال وتقدير لرئيس اللجنة المرحوم سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة؛ على قدراته وإمكانياته وتمكنه من إدارة هذه اللجنة، المكونة من مجموعة من الفعاليات والشخصيات المختلفة، ونجاحه بذلك، فما هي أهم المواقف؟
عندما كلفنا بالبداية، كان سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة (رحمه الله)، بسماحته، وطيبته، وعفويته، حريصا على التسهيل بكل شيء، سواء في إدارة الحوار، أو في التخفيف من أي انتقادات، واستطاع أن يدير اجتماعاتنا المكثفة، إدارة لا يمكن أن نحلم فيها بذلك والوقت.
كان له رحمه الله سعة صدر كبيرة، والكلام الذي طرح داخل اللجنة كان ربما يسمع لأول مرة، كالمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، وعودة المنفيين، وإلغاء قانون أمن الدولة، وإلغاء محكمة أمن الدولة، والمطالبة بالمحاسبة.
 كان هنالك حديث في النقاش العام، لم نكن متعودين عليه في إطار النظام السائد آنذاك، ومنه سقف حرية التعبير في تلك الاجتماعات المكثفة، ولولا الشيخ عبدالله بن خالد ومكانته عند جلالة الملك وفي العائلة المالكة والمجتمع، لما استطعنا أن نتكلم بهذه الحرية.
ولقد كان رحمه الله يشجعنا على الكلام، وكان دقيقا في عمله، ويطلب من الجميع عندما يتحدث أحد بالإنصات، وكان عندما يرغب أحد الزملاء بتعديل أي بند بالميثاق، كان دائما رحمه الله يقول (أعطونا الصياغة مكتوبة، لا تتكلموا كلاما عاما، نحن في صدد ميثاق عمل وطني، وخلونا نناقش التعديل ونصوت عليه).
ونادرا في التصويت ما كنا نختلف على التعديلات بشكل أساسي، والفترة كانت قصيرة، حيث بدأنا في 23 نوفمبر وانتهينا في 24 ديسمبر، ما يعني بأنه وبشهر واحد وباجتماعات مكثفة كخلية نحلة.

اختلاف الرأي
هذا التوافق الذي حصل يحتاج إلى وقفة؛ لأن اللجنة مكونة من مختلف الأطياف والاتجاهات والألوان في المجتمع ككل، فكيف استطاع الجميع التوصل إلى هذا التوافق؟
بنود ميثاق العمل الوطني لم تأتِ من فراغ، معظمها مأخوذ من دستور 1973، سواء المبادئ العامة، أو تشكيل الدولة، أو السلطات، أو المالية العامة.
ولو قارنت ما بين بنود الميثاق ودستور 1973 مع دستور 2002 ستجد هنالك تطابقًا، وبالتالي لم نناقش ورقة مختلفا عليها، أو مبادئ مختلف عليها، بل إن هنالك اتفاقا كبيرا بين الحضور على محتواها، وعدم حاجة للاختلاف مع المبادئ العامة.
 كانت هناك حاجة لأن توضح وتطور بعض الصياغات، كالحالات الاقتصادية والأكاديمية وعن المرأة، لكن الأسس كلها كانت موجودة، فنحن لم نجلس لنصوغ من جديد، ولحسن الحظ، فلقد اعطينا مسودة للميثاق، وأعطينا الحرية الكاملة في تغيير بنوده وتعديله، وعليه لم نحتج لتغيير جذري في المواد، فكان هنالك توافق، وكنا نمضي بها بسرعة.
كما كان هناك تطوير لبعض الأبواب، مثل الحياة النيابية، الحرية الاقتصادية، التعليم، والجيد بأن انتقالنا بالنقاش لم يكن من صفحة الى صفحة، بل من باب إلى باب، فحسن الإدارة ساعدتنا في هذا الجانب.
كان هناك اختلاف في الرأي، ولكن ومع حرية النقاش ومكانة الإخوة العلمية والثقافية والسياسية والذين كنا نتناقش معهم، وجد مناخ راق من الحوار، بلا أي هبوط أو عدم احترام، أو استخدام الفاظ غير صحيحة.
حتى الأخوة الذين فكروا بالانسحاب من اللجنة، لم يتلفظوا بأي إساءة لا للفكرة ولا للمسودة ولا إلى الأعضاء، بالعكس أبدو رأيهم، ثم انسحبوا بهدوء.

لم يترك القاعة
.. وتم استبدالهم بأعضاء آخرين؟
الإخوة الستة كتبوا رسالة ولم يطلع عليها إلا الديوان الأميري فقط، حتى (الديسك) الذي كتبت عليه، تم إتلافه، ولم تكن لها أي نسخ تذكر.
الرسالة كانت تطلب إعفاء وليس استقالة أو انسحابا، ومن بين طالبي الاعفاء رئيس نادي العروبة المرحوم جاسم فخرو والذي لم يتغيب عن الاجتماعات، وعندما سئل: هل طلبت اعفاء؟.. رد: نعم، طلبت إعفاء من جلالة الملك، ولن أترك القاعة إلا إذا قَبِلَ الإعفاء، هذه إرادة أميرية كلفنا بها، وطلبت أن يعفيني ولم يعفني.
ظل معنا المرحوم جاسم فخرو حتى آخر اجتماع، وألقى كلمة الجمعيات والأندية الوطنية في اللقاء الأخير، حين سلمنا الميثاق لجلالة الملك، وبعض الإخوة الآخرين قرروا أن يتغيبوا عن الحضور وهذا أمر خاص بهم، ولم يسئلوا أو يتأثروا أو يحاسبوا على قرارهم.
في نفس اللحظة التي قدم بها الأخوة المنسحبون رسالتهم، صدر أمر أميري بتعيين 6 أعضاء بدلا منهم.  
ندوة الخريجين 
في وقت انعقاد جلسات لجنة الميثاق كان المجتمع يتفاعل معكم، من خلال لقاءات وملتقيات مختلفة، ومن بينها الندوة التي عقدت بنادي الخريجين. حدثنا عن هذه الفترة؟
– صحيح أننا كنا 46 عضوا، من بينهم أعضاء من الحكومة، وآخر من الشورى، وآخر يمثل المجتمع المدني والذي كان فعالاً حينها، مع سلطاته وصلاحياته ودوره، ومساهمته في العملية السياسية والوطنية.
قمنا بتشكيل مجموعة من ستة أشخاص، كنا نجتمع معا يوميا، خارج اجتماعات اللجنة، ولقد كان فريقنا مكونا من تقي البحارنة، جاسم فخرو، إبراهيم بشمي، عبدالله الحواج، فؤاد شهاب، وأنا، وكنا نجتمع بالليل ونحضِّر، ونذهب للاجتماع وآراؤنا مكتوبة.
الأغلبية كانت تأتي محضرة للاجتماع، ما يؤكد حسن الاختيار، فكان الأشخاص المختارون متحملين للأمانة، وهم يعرفون بأن هذا الميثاق سوف يحول البحرين من مرحلة إلى مرحلة أخرى، وجلالة الملك صادق في كل خطاباته وكان يهيئ الناس لهذا التغيير الذي سيحدث بالبحرين.
الفاعلون والنشطاء في العمل السياسي، الزملاء الذين كانوا في الأحزاب السياسية التي كانت تعمل تحت الأرض، والأشخاص الذين كانوا خارج البحرين والفاعلون داخل البحرين، لم يكونوا متفائلين كثيرا.
كان هناك صوت يخون من دخل اللجنة، ولكن الجهد الكبير الذي بذله جلالة الملك، وما قامت به قرينة عاهل البلاد صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة حين ذهبت للجمعيات النسائية والى المآتم والمجالس أقنعت المرأة بالميثاق.
كذلك زار جلالة الملك المجالس وبعض رجال الدين وأبناء القرى والمدن وحضهم على المشاركة، ولولا هذه الحركة والاهتمام من جلالته، لما استطعنا أن نصل الى نسبة المشاركة التي وصلنا إليها.
بعد تواصل جلالة الملك وسمو الأميرة سبيكة مع الشعب، اقتنعوا بأننا مقدمون على شيء جديد، وأنه سيكون نقلة من مرحلة الى أخرى، ولقد كانت قصور جلالة الملك وبخاصة الصافرية بهذه الفترة خلية نحل، وتعقد اجتماعات حتى مع القيادات السياسية.
كان جلالة الملك يدعوهم ويشرح لهم، ويستمع لهم، ويقنعهم بالمشاركة. ولقد حضرت أكثر من اجتماع، مع الكثير من القيادات السياسية، وممن كانوا عائدين من الخارج، أو من الموجودين في الداخل من أركان اليسار بالمجلس الوطني السابق، أو من منتسبي الحركة الوطنية، حيث كان يلتقيهم جلالة الملك، ويشرح لهم، ويشكرهم، ويؤكد لهم أن يتحملوا معه المسؤولية في ذلك.
أعتقد بأن جلالة الملك فكر بهذا الموضوع سنوات عدة قبل أن يتولى الحكم، فالمشروع حين أتى كان مشروعا متكاملا، وليس وليد اللحظة، وكل هذه التحضيرات، سواء كانت الأفكار أو مسودة الميثاق أو التواصل مع الجمعيات السياسية، أو الأريحية وطريقة الحوار، كلها كانت عملا متراكما، كان يؤديه جلالته حين كان وليا للعهد، لكي يحضر للمرحلة الحاسمة.
التحول للاستفتاء
من الواضح أن تجاوب الناس، ومشاركتهم بأكثر من 90 بالمئة من المؤهلين للتصويت، كان انعكاسا لمدى الجهد الذي بذل لتهيئتهم بقيادة جلالة الملك.. ولنعد هنا للوراء قليلاً، عندما تشكلت اللجنة بأمر أميري بذلك الوقت، كان ينص بأن يعرض مشروع الميثاق بصيغته النهائية على مؤتمر شعبي، هل قاد هذا التجاوب والتفاعل والثقة الكبيرة عند الناس لتغيير هذا القرار بأن يتم عرضه في استفتاء عام؟
عندما تساءلنا كمجموعة من الأعضاء باللجنة كيف سيشكل المؤتمر الشعبي؟، فكانت الفكرة بأن يشارك أعضاء من القيادات المجتمعية والأندية والجمعيات الفاعلية آنذاك، ومن العوائل، ويجلسوا في استاد البحرين الوطني بحدود 2000 شخص ومن خلال المناداة أو التصويت يتم إقراره.
اقترحنا -نحن الأعضاء الستة- فكرة الاستفتاء من خلال الاتصال، وطرحنا هذه الفكرة حتى يأخذ المشروع قبولا، وحتى يكون له سند شعبي، وذهبنا الى وزير شؤون مجلس الوزراء والاعلام آنذاك الأخ محمد المطوع، واقترحنا عليه ان ينقل لجلالة الملك اقتراحنا باجراء استفتاء عام على الميثاق. 
ولا أعرف اذا فكرة الاستفتاء كانت لدى جلالة الملك قبل أن نذهب للوزير المطوع  أو نوقشت الفكرة لدى الفريق الملكي، ولكن في نفس الليلة، تلقينا اتصالا من الوزير المطوع ينقل سلام جلالته، ويقول “أبشروا”. لم يقل بأن جلالته موافق ولكن قال لنا “أبشروا”. ونحن تأملنا خيرا.
وصدر الأمر بعد ذلك باللجوء إلى الاستفتاء، وهي أهم خطوة في ميثاق العمل الوطني.
حين جاء بعض السياسيين أو المحسوبين على الجمعيات السياسية والمعارضين المقيمين بالخارج، وانتقدوا الميثاق، وقالوا بأنه لا يمثل شعب البحرين، ولا يمثل المجلس التشريعي، خرج الرأي القانوني بأن المجلس التشريعي يمثله الشعب، وأن أكثر من 90 بالمئة منه شارك بالعملية، وبأن 98.4 % أيدوا الميثاق.
رسالتنا واضحة، وجلالة الملك عودنا دائما بأن يستمع للآراء المختلفة، ولكي يعطي صورة ومصداقية أكبر، اتخذ قرار الاستفتاء من قبل أن نلجأ نحن الى ذلك.

سمو الميثاق
الاستفتاء جعل من هذه الوثيقة مرجعية دستورية ثابتة، وخطوة جريئة وشجاعة بأن يتبنى جلالة الملك هذا الاتجاه، خصوصاً أن الاستفتاء هو الأول من نوعه عربيا.
حين حدث خلاف ونقاشات بين التنظيمات السياسية بشأن الميثاق، كل التفسيرات القانونية التي جاء بها جلالة الملك أكدت أن الميثاق مكانته أعلى من الدستور.
لغاية اليوم هذا الثقل الذي أعطاه الاستفتاء، لا يمكن التنازع عليه أو التقليل من شأنه، فضلا عن أنه حدد ملامح التغيير في الحياة العامة والنيابية ومسمى المملكة وأمور أخرى عديدة، وأعطى الصلاحيات لجلالة الملك لكي يقوم بذلك، والذي لم يقم بذلك بنفسه، وإنما شكل لجنة من الوزراء والمسؤولين وكبار الاستشاريين لكي يأتوا بمقترحاتهم لتعديله.

وضع منفتح
من أهم استحقاقات الميثاق تشكيل المجلس الوطني بغرفتيه المعينة والمنتخبة، ما الحديث الذي دار في هذا الموضوع والذي أفضى للتوافق بأن تكون السلطة التشريعية من غرفتين؟
لم تأتِ فكرة المجلس الوطني بغرفتين من فراغ؛ وبخاصة مع تجربة البحرين في العام 1973، وأن أحد أسباب فشلها آنذاك كان وجود غرفة واحدة، وعدم وجود الرأي الخبير المعتدل الذي ينظر الى الدولة ككل، قبل أن ينظر لطلبات الشعب.
وفي التجارب الحديثة المتعلقة بالحياة البرلمانية، نلاحظ بأن كثير من الدول غيرت نظامها من نظام الغرفة الواحدة الى نظام الغرفتين، وأنا أحضر اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي منذ فترة طويلة، دائما نتكلم بأن هنالك عددا يزداد سنويا للدول التي تتحول من نظام الغرفة الى الغرفتين.
كانت الصياغة واضحة في الفصل الخامس والذي يتعلق بالحياة النيابية، بصياغة معتدلة ومتوازنة، تعطي القوة للمجلسين، ولا تعطي السلطة لغرفة على حساب غرفة أخرى، وكان الهدف هو إيجاد التوازن، فالبحرين بحاجة لذلك، خصوصا حين تخرج من وضع سياسي متأزم الى وضع منفتح، وحتى لا تنفلت الأمور.
أتى مجلس الشورى لكي يساهم في التشريع، وله تأثير من قبل أصحاب خبرة وعلم ومعرفة، والذين ربما لن تجدهم لسبب أو الآخر في المجلس الآخر.
الملاحظ بأن هنالك حكمة بدأها جلالة الملك في تعيينات مجلس الشورى، والتي لا تصدر إلا بعد انتهاء جولة الإعادة في الانتخابات النيابية لكي يقرأ أين تكون هنالك الثغرات لكي يتم سدها، ولكي يضمن أن يمثل الأعضاء الثمانون جميع مكونات المجتمع البحريني، بكافة طوائفهم وأشكالهم.
وعلى الرغم من المشاركة الرائدة للمرأة في العمل الاجتماعي والتربوي، لكن عند صناديق الانتخاب تخرج المرأة، ولذلك عين جلالة الملك في أحد مجالس الشورى 10 نساء، حتى تمثل المرأة ويسمع صوتها ورأيها.
حين تأتينا وفود من الخارج، وتعرف أن لدينا الأقليات الدينية في البحرين ممثلة في مجلس الشورى، فإن هذا أمر كبير ومتقدم، وفي الدول الغربية لم يمثل المسلمين في التعيينات، ولكن لدينا هنا تجربة مميزة بمشاركة أخواننا المسيحيين واليهود، بالسماع لصوتهم والذي يكمل روح التسامح في مملكة البحرين.

الانفتاح والتوافق
مضت 20 سنة على تجربة مجلسي الشورى والنواب، وهي تجربة ناجحة وتسير بشكل  موفق، فهل هذا يعكس قوة ومتانة أسس ميثاق العمل الوطني؟
كل ما يتعلق بالحياة السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية منذ العام 2001 وحتى الآن، يستمد روحه من الميثاق والدستور، واذا قلنا إن الدستور كتب بناء على المبادئ العامة الموجودة في الميثاق، فكل حياتنا التي نمر بها الآن، هي مما بذلناه وزرعناه في الميثاق، لكي نحصده من الدستور والتشريعات والحياة العامة الجديدة.
كل هذه المتغيرات من الانفتاح الاقتصادي والحرية الاقتصادية وحرية النشر والتعبير وحرية البحث الاكاديمي والتكافل الاجتماعي، حق العمل والإسكان، كل أصلها في الميثاق، وجاء الدستور وأكد عليها بالقوانين والتشريعات، وسيبقى الميثاق هو الأرضية التي ستقوم وستستمر عليها في البحرين، ما لم نأت في يوم ما لنتوافق على مبادئ أخرى.

ضمان المشاركة
كيف تقرر أن يتم الاستفتاء في يومين بدلا من يوم واحد؟
ليست لدي الكثير من التفاصيل بذلك، ولكن ولأنها تجربة جديدة، لم نجر استفتاء بالبحرين من قبل، وبالتالي لكي يتاح للجميع المشاركة، فالقرار كان لضمان المشاركة من الجميع، وأيضا كانت الفرق التي تشرف على الاستفتاء جديدة، ولم تمارس هذا العمل لسنوات، حيث كانت آخر عملية انتخابية في البحرين بالعام 1973.
كان لابد من تدريب هذه الفرق وتهيئتها، حتى لا يقول أحد إن الوقت لم يكن كافيا، أو لم نستطع الذهاب لمكان التصويت، وفي دول كثيرة تأخذ الانتخابات بها وقتا طويلا كالهند والتي قد تتجاوز الشهر.
وكلما سهلت على الناس، كلما ساعدتهم في المشاركة، والناس في طبيعتهم، لو رأوا المشاركة كبيرة في اليوم الأول، فإن ذلك سيحفزهم على المشاركة وهو ما حصل بالفعل.
وقبل أيام قليلة من التصويت، أمر جلالة الملك بإطلاق سراح جميع الموقوفين والمسجونين، وعودة المبعدين والمقيمين خارج البحرين للمشاركة في الاستفتاء، هذه الخطوات الجريئة تحسب للنظام، وتقوي من رصيد الميثاق.
في إحدى جلسات الميثاق، تكلمنا عن مبادئ اطلاق سراح المسجونين، وذلك مدون في مضابط كانت مغلقة وسرية، وحينها تتكلم بهذا الشيء بالخارج أعتقد بأنه يصنف كجنحة أو جريمة، ولكن الذي شجع الناس على الكلام هو الندوة الجماهيرية التي نظمت في نادي الخريجين في يناير 2001 قبل التصويت على الميثاق.
في تلك الندوة طرحت نفس الأهداف والآمال، ولأول مرة في البحرين تجد ندوة بهذا العدد الهائل من الحضور والمتحدثين والذي يطرح مثل هذه الأفكار والتي لربما كانت من المحرمات قبل تلك الفترة.
 أنا متأكد بأنه كان في بال جلالة الملك هذا الشيء، ولقاؤه مع العديد من المعارضين والمنفيين بالخارج، وهذا أمر لا يخفى على أحد.
ولقد كان من ضمن المطالبات للمعارضة ورجال الدين حينها بأن (أعطنا شيء) لكي نضمن ثقة الناس، ولم يكن هنالك أفضل من إطلاق سراح المعتقلين، وإعادة المنفيين، وإلغاء قانون أمن الدولة، وإرجاع العمل بالمواد الدستورية المعطلة منذ السبعينيات، وهو ما ساعد على انتقال البحرين من مرحلة سياسية معينة إلى مرحلة سياسية أخرى.

دور المرأة
استحقاقات الميثاق كثيرة، لنتوقف عند محطة المكتسبات التي حققتها المرأة، والتي أدت لأن تقود اليوم العملية التشريعية برئاسة فوزية بنت عبدالله زينل لرئاسة مجلس النواب.
صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة كان لها دور كبير في تهيئة المرأة للمشاركة في العملية السياسية، ونحن في الميثاق لأول مرة نذكر في مستند رسمي بأن المواطنة تعني الرجل والمرأة.
المرأة البحرينية ليست غربية على العملية السياسية، فلقد شاركت بالانتخابات في 1923 وكان لها دور كبير في العمل السياسي في 1973 وكان لها دور في الحراك الاجتماعي والثقافي، وعليه كان يجب أن نعطي المرأة هذا الحق والذي كسبته بنضالاتها على مر السنين، منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى تحقق لها بشكل رسمي.
في العشرين السنة الماضية رأينا تغييرات أساسية كبيرة في مشاركة المرأة في التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البحرين.
 مجلس الشورى به تسع سيدات، وهن من أفضل الأعضاء لدينا، والأكثر نشاطا.
دور المرأة فاعل، وتعطينا قوة طاقة إيجابية للمشاركة، ولقد أثبتت على مر السنين بأن إمكانياتها وقدراتها لا تقل عن زميلها الرجل، ونحن فتحنا الباب لكل هذه الكوادر والقدرات الموجودة عند المرأة البحرينية والتي كان مغلقا عليها.

التدرج البرلماني
انت الآن في قاعات ودهاليز العمل البرلماني في البحرين، وأيضا في التجمعات البرلمانية الدولية، قضيت نحو ثلاثين سنة، ما الذي تستطيع أن تقوله عن هذه التجربة؟
أذكر أن صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، رحمه الله، كان في نفس اليوم الذي دعاك عند اختيارك كعضو بمجلس الشورى الاستشاري، كنت أنا بعدك، وكان منذ ذلك الوقت كلام كثير عن تحول سياسي في البحرين، وكان هنالك حوار كبير هل نلجأ لمجلس منتخب، أو نباشر بمجلس معين.
وبدأت التجربة بأن نبدأ بدورة، دورتين، ثلاث، بمجلس معين، ولقد تزايدت صلاحياتنا بشكل تدريجي، حتى جاء جلالة الملك وأحيا التجربة النيابية، ومن أهم أسباب نجاحنا اليوم هو هذا التدرج الذي حصل، وبأننا لم نأت بقرار سريع غير الموازين، أو بقرار لم يكن الناس متعودين عليه.
صحيح أن البعض كان ينتقد مجلس الشورى السابق وبأنه حكومي، ولكن معظم ما قدمه من اقتراحات، وما عدله من قوانين، كان يؤخذ به من قبل الحكومة، مع أنه كان بإمكانها ألا تأخذ بأي شيء منها، وعليه كان هنالك تغير كبير هو الذي ساعدنا اليوم للوصول إلى ما نحن عليه، بمرحلة يشهد لنا فيها.
أصبحنا نضاهي دولا لديها تغير سياسي منذ أكثر من 15 عقدا من الزمان، وهذا النجاح كان للمجتمع البحريني المثقف والمتفاعل دور كبير فيه.

 

بروفايل جمال فخرو ببرنامج خارج مضابط الميثاق:

رجل‭ ‬أعمال‭ ‬وسياسي‭ ‬بحريني‭.‬
ولد‭ ‬بالمنامة‭ ‬في‭ ‬1956‭.‬
ابن‭ ‬الوجيه‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬فخرو‭.‬
أحرز‭ ‬درجة‭ ‬البكالوريوس‭ ‬بتخصص‭ ‬المحاسبة‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭.‬
من‭ ‬أبرز‭ ‬الشخصيات‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬المحاسبة‭.‬
محاسب‭ ‬قانوني‭ ‬معتمد‭ ‬من‭ ‬أميركا‭.‬
عضو‭ ‬المجلس‭ ‬الدولي‭ ‬لشركة‭ (‬كي‭ ‬بي‭ ‬ام‭ ‬جي‭).‬
الشريك‭ ‬التنفيذي‭ ‬لشركة‭ (‬كي‭ ‬بي‭ ‬ام‭ ‬جي‭) ‬البحرين‭.‬
عضو‭ ‬مجلس‭ ‬الشورى‭ ‬الاستشاري‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1992‭ ‬وعضو‭ ‬بمجلس‭ ‬الشورى‭ ‬التشريعي‭ ‬طيلة‭ ‬الفصول‭ ‬الماضية‭.‬
النائب‭ ‬الأول‭ ‬لرئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الشورى‭ ‬حاليا‭.‬
عضو‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬العليا‭ ‬لإعداد‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭.‬
عضو‭ ‬لجنة‭ ‬تفعيل‭ ‬مبادئ‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭.‬
عضو‭ ‬لجنة‭ ‬حوار‭ ‬التوافق‭ ‬الوطني‭.‬
عضو‭ ‬اللجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬المعنية‭ ‬بتوصيات‭ ‬تقرير‭ ‬اللجنة‭ ‬البحرينية‭ ‬المستقلة‭ ‬لتقصي‭ ‬الحقائق‭.‬
أحد‭ ‬مؤسسي‭ ‬نادي‭ ‬البحرين‭ ‬للسينما‭ ‬والجمعية‭ ‬البحرينية‭ ‬الهندية‭ ‬والجمعية‭ ‬البحرينية‭ ‬للشركات‭ ‬العائلية‭ ‬وجمعية‭ ‬المنتدى‭.‬
حاصل‭ ‬على‭ ‬وسام‭ ‬الأمير‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الثانية‭.‬

 

 

أجرى‭ ‬الحوار‭:‬‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬عبدالنبي‭ ‬الشعلة

إعداد‭: ‬سكرتير‭ ‬التحرير‭ ‬رئيس‭ ‬قسم‭ ‬الشؤون‭ ‬المحلية‭ ‬والمحتوى‭ ‬الإلكتروني‭ ‬راشد‭ ‬الغائب

متابعة‭ ‬الإنتاج‭: ‬رئيس‭ ‬قسم‭ ‬التصوير‭ ‬وصحافة‭ ‬الفيديو‭ ‬أحمد‭ ‬كريم

تصوير‭: ‬حوراء‭ ‬مرهون،‭ ‬رسول‭ ‬الحجيري،‭ ‬خليل‭ ‬إبراهيم‭ ‬

مونتاج‭:‬‭ ‬حوراء‭ ‬مرهون

إخراج‭:‬‭ ‬حسن‭ ‬بوحسن‭ ‬

مخطوطة‭ ‬اسم‭ ‬البرنامج‭: ‬علي‭ ‬جمعة

كتابة‭ ‬المادة‭ ‬للنشر‭:‬‭ ‬إبراهيم‭ ‬النهام

الإسناد‭ ‬التقني‭:‬‭ ‬رئيس‭ ‬قسم‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬سعيد‭ ‬المبارك،‭ ‬عبدالله‭ ‬عيسى

زينب‭ ‬العكري،‭ ‬حسن‭ ‬عدوان،‭ ‬محمد‭ ‬الدرازي

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات