فرنسا وليبيا: هل تعلم باريس أن زمن الهيمنة انتهى؟
Spread the love

لقاء باريس المنتظر بين عقيلة صالح ومحمد تكالة لا يمكن وصفه بالمبادرة الدبلوماسية العقلانية التي تحاول باريس تصويره بها، بل هو محاولة مكشوفة لإعادة تدوير نفوذ ضائع، تلطخه سنوات من الانحيازات الخاطئة وخيارات استراتيجية فاشلة، أظهرت جهلاً عميقاً بمشهد سياسي ليبي معقد ومتعدد الأبعاد. منذ 2011، تصرفت باريس كقوة تسعى إلى الهيمنة، لا كدولة تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية، وكل محطة مرت بها ليبيا بعد الثورة كشفت أنها لم تكن إلا لاعباً مرتبكاً، أو في أسوأ الحالات، طرفاً يغذي الانقسامات.

دعم باريس لحفتر سياسياً وعسكرياً واستخبارياً لم يكن بدافع إيمان بمشروع دولة، بل لرؤية نفوذ شخصي واعتبارات اقتصادية وأمنية ضيقة، في امتداد لنفوذ بدأ يتآكل في الساحل الأفريقي. ظهور صواريخ جافلن الأميركية في غريان عام 2019 لم يكن حادثاً، بل دليلاً صارخاً على أن فرنسا كانت جزءاً من الحرب، زوّدت طرفاً بالسلاح عبر قنوات غير مشروعة بينما كانت تدّعي العمل على تسوية سياسية. لا يمكن لأي قوة أن تسوّق لنفسها كوسيط محايد بعد مثل هذه الانحيازات.

الطموحات الفرنسية في ليبيا كانت دائماً اقتصادية واضحة: توسيع نفوذ شركة توتال على حساب إيني الإيطالية، واستعادة ما فقدته باريس في الساحل الأفريقي، والولوج إلى حقول نفطية غنية مثل غدامس عبر تفاهمات فوقية تفرض نفسها على المشهد المحلي، بعيداً عن اتفاقات شرعية. لقاء باريس ليس خطوة نحو حل، بل محاولة لتثبيت قدم قبل أن يغلق الباب عليها نهائياً، ويكشف مشكلة بنيوية في العقل الاستراتيجي الفرنسي: الإصرار على إدارة الأزمة الليبية كما لو كانت ساحة نفوذ فرنسي، متجاهلة مجتمعاً معقداً لا يخضع للهندسة الخارجية.

إذا أرادت باريس استعادة موقع محترم، فإن عليها أولاً مراجعة شاملة لسلوكها: الاعتراف بأن دعم حفتر كان خطأً استراتيجياً، وأن إدارة الملف بمنطق الشركات النفطية وليس الدولة مسؤولة هو ما قادها إلى خسارة النفوذ. اليوم، تتحكم واشنطن بمفاتيح اللعبة: العقوبات، مؤسسات المال الليبية، مسار النفط، قرارات مجلس الأمن، وتوازن القوى الإقليمي، في حين تبدو باريس مجرد لاعب ثانوي يحاول اللحاق بالركب.

فرنسا أمام خيار واضح: إما الاستمرار في لعبتها القديمة، القائمة على دعم محاور بعينها واقتناص حقول النفط دون احترام للسيادة الليبية، فتخرج من المشهد بالكامل، أو إعادة بناء علاقة جديدة مع ليبيا تقوم على الشفافية والاعتراف بالأخطاء، والتعامل مع جميع الليبيين كشركاء لا أدوات. الليبيون تعبوا من صراعات الوكلاء، والمجتمع الدولي يعرف من دعم من ومن حاول احتكار القرار تحت شعارات مزيفة.

لقد آن الأوان لباريس أن تدرك أن ليبيا ليست مجالاً لإعادة بناء هيبتها المفقودة، وأن زمن فرض المسارات من باريس قد انتهى. تصحيح المسار يبدأ بالاعتراف بأن أمن ليبيا واستقرارها لا يمكن أن يكونا ثمن صفقة طاقة أو حقل غاز. وإن أرادت باريس دوراً محترماً في المستقبل، فعليها أن تتوقف عن التعامل مع ليبيا كمساحة نفوذ، وأن تبدأ بالتعامل معها كدولة تريد أن تستعيد سيادتها.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات