22 July, 2024
Search
Close this search box.
قراءة في اتفاقيات استكشاف وإنتاج النفط والغاز اللبنانية
Spread the love

أرجأت مؤخراً شركة TotalEnergies تسليم تقريرها النهائي حول نتائج التنقيب في الرقعة رقم ٩ الى الدولة اللبنانية من دون أي تبرير، والذي كان مقرراً أن يتسلمه وفد من هيئة إدارة قطاع البترول في العاصمة الفرنسية نهاية آذار الماضي قبل أن يتم إلغاء الموعد دون تحديد أي موعد جديد. وهو التأجيل الثالث لتسليم التقرير بعد أن كان الموعد الأول في نهاية شهر شباط الماضي، اما الموعد الثاني فكان في مطلع النصف الأول من شهر آذار المنصرم وتم تأجيله مرةً ثالثة حتى نهاية الشهر نفسه، ما يُسلط الضوء على اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج ويُعيدها لتكون موضع نقاش من جديد.

وتجدر الإشارة الى أن التوقف عن الحفر حصل بشكل مفاجئ وفي توقيت ملتبس، كونه حصل بعد أسبوع على عملية طوفان الأقصى التي حصلت في السابع من تشرين الأول ٢٠٢٣. وفيما كان من المفترض ألا يقل عمق البئر الذي تم حفره عن ٤٤٠٠ متر عامودي تحت قعر البحر (True Vertical Depth sub-sea, TVDss) باعتباره بئر استكشاف، وفقاً للبند ج من الفقرة ٢ من المادة ٨ من اتفاقية الاستكشاف والإنتاج في الرقعة رقم ٩، اقتصر عمق الحفر على ٣٩٠٠ متر فقط. مع العلم أن أسباب التوقف المعلنة من قبل المُشغل لا تتوافق مع أحكام الاتفاقية، لا سيما منها بنود الفقرة السادسة من المادة الثامنة منه.

في المقابل وعملاً بأحكام المواد المبينة في الفقرة السابقة أعلاه، كان على المُشغل (أو أصحاب الحقوق) القيام بحفر بئرٍ بديلة عن البئر التي تم التوقف عن حفرها. وذلك على اعتبار أن البئر التي تم حفرها في الرقعة رقم ٩، تُشكل جزءاً من التزامات الحد الأدنى لموجبات العمل، سيما وأن التوقف حصل قبل بلوغ أي من الأهداف المحددة لحفر هذه البئر، ما يجعل التوقف عن حفر البئر بمثابة التخلي عنها. ولا يُمكن للمشغل التذرع بمسألة تكاليف حفر البئر البديلة، خاصة وأن التزام الحد الأدنى لموجبات العمل بحسب الاتفاقية، هو موجب حد ادنى لموجبات العمل وليس موجب انفاق بحسب الفقرة الخامسة من المادة الثامنة المشار أليها أعلاه.

ومن اللافت أن تقتصر اتفاقية الاستكشاف والإنتاج في الرقعة رقم ٩، على شرط بأن لا يقل عدد آبار الاستكشاف الواجب حفرها عن بئر استكشاف واحدة (النبذة ١، البند ج، الفقرة ٢، المادة ٨ من اتفاقية الاستكشاف والإنتاج في الرقعة رقم ٩). في الوقت الذي تشترط فيه العقود المماثلة على حفر ما لا يقل عن ثلاث آبار استكشاف. ذلك أن معدل اكتشاف بئر منتج هو بئر من خمسة آبار، أي أن ٨٠٪ من الآبار التي يتم حفرها يتبين انها جافة فيما تقتصر نسبة الآبار المنتجة على ٢٠٪. الامر الذي يستوجب استدراكه في أي اتفاقية قادمة للاستكشاف والإنتاج، ليصبح عدد آبار الاستكشاف التي يتوجب على المُشغل حفرها لا تقل عن ثلاث آبار على الأقل في كل مرحلة من مراحل الاستكشاف.

أما لجهة التقرير النهائي، فربَّ قائل أنه كان على الشركة أن ترفعه الى هيئة ادارة قطاع البترول خلال ستين يوماً من توقف اعمال الحفر، سيما وأن هذه المهلة هي محور المهل سواء بالنسبة لأصحاب الحقوق أو بالنسبة للدولة، بحسب ما ورد في اتفاقيتي الاستكشاف والإنتاج للأنشطة البترولية في الرقع ٤ و٩، لا سيما المواد ٧ و١٠ منهما. واللافت في هاتين الاتفاقيتين خلوهما من أية مواد أو أحكام تُحدد مهلة زمنية للمُشغل لرفع تقرير بنتائج الحفر الاستكشافي الذي يُنفذه في الرقعة موضوع الترخيص.

وكما لم تُعالج الاتفاقيتين في أي من موادهما مسألة رفع تقرير بنتائج حفر البئر الاستكشافي الى الدولة اللبنانية، فيما يتناولان بشكل مفصل مراحل الاستكشاف الأولى والثانية، ومدده التي تتراوح بين ثلاث سنوات للمرحلة الأولى وسنتين للمرحلة الثانية القابلة للتمديد سنة واحدة، بالإضافة الى خطط الاستكشاف لكل مرحلة من مراحل الاستكشاف. ما يستدعي تعديل دفتر الشروط الخاصة بدورات التراخيص في المياه البحرية ونموذج اتفاقية الاستكشاف والإنتاج الصادر بموجب المرسوم ٤٣/٢٠١٧، بحيث يلحظ المهل الزمنية التي يجب على المشغل التقيد بها لرفع تقاريره ضماناً لحسن سير العمل.

وثمة تحليلات بأن TotalEnergies تخلت في تشرين الأول ٢٠٢٣ عن الرقعة رقم ٤ لتعود المسؤولية عنها الى الدولة اللبنانية، وتعود بذلك إمكانية ضمها الى جولات التراخيص القادمة. والحقيقة أنه بموجب الفقرة الثامنة من المادة السابعة من اتفاقية الاستكشاف والإنتاج في الرقعة رقم ٤، يُعتبر أصحاب الحقوق (أي تحالف الشركات التي حصلت على الترخيص) انهم تخلوا عن الرقعة بكاملها في حال لم يُقدموا خطة استكشاف للمرحلة الثانية او في حال رفض الدولة للخطة المقدمة من قبلهم.

أما تخلي أصحاب الحقوق عن الرقعة رقم ٤، فلا يُمكن أن يكون سببه عدم توفر الغاز تحت المياه اللبنانية. سيما وأن هذا التحالف كان أحد أكثر المهتمين في التنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، بدليل تقديمه طلبين للمشاركة في دورة التراخيص الثانية المتعلقة بالمزايدة على الرقعتين ٨ و١٠ قبل أقل من ساعة من انتهاء مهلة تقديم الطلبات. وما التردد، لا بل التهرب من تسليم التقرير النهائي لنتائج الحفر في الرقعة رقم ٩، إلا محاولة لإحباط آمال اللبنانيين بامتلاكهم ثروة نفطية.

إن النتيجة التي آلت اليها اتفاقيتي الاستكشاف والإنتاج في الرقعتين ٤ و٩ من المنطقة الاقتصادية الخالصة، يجب أن تُشكل حافزاً للقيمين على ملف الثروة النفطية لاستدراك الثغرات التي ينطوي عليها دفتر الشروط الخاصة بدورات التراخيص للمزايدة على الرقع في المياه البحرية ونموذج اتفاقية الاستكشاف والإنتاج المشار اليه أعلاه. وعلى القيمين على ملف النفط والغاز المبادرة الى تعديل دفتر الشروط وتضمينه المواد التي تنظم التعامل مع كافة القضايا المتعلقة باستخراج النفط والغاز سواء من البر اللبناني او من تحت مياهه في الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

وهنا لا بد من التذكير بأن شركة ENI الإيطالية تمكنت من اكتشاف حقل ظُهر المصري قُبالة الشواطئ المصرية في العام ٢٠١٥، بعد أن عملت شركة SHELL الأميركية على استكشاف المنطقة على مدى ١٥ عاماً دون جدوى. أما محاولات الاستكشاف التي نفذتها TotalEnergies في الرقعتين ٤ و٩، فلا تُشكل سوى نسبة ضئيلة من محاولات SHELL في المياه المصرية. ولعل ما يدعوا الى الثقة بتوافر الغاز والنفط في لبنان المسح الزلزالي لمياه المنطقة الاقتصادية الخالصة، الذي يُبين تكوينات جيولوجية مناسبة لتخزين النفط والغاز على غرار باقي مناطق الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

أما التذرع بما يشهده الجنوب اللبناني من اعتداءات إسرائيلية، واستمرار الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية الذي دخل سنته الثانية ووجود حكومة يقتصر دورها على تصريف الاعمال، فلا يُبرر استمرار مؤسسات الدولة في حال من المراوحة وفقدان الوزن. ذلك أن تسيير المرافق العامة، يجب أن يتعدى متابعة الشؤون اليومية لهذه المرافق وصولاً الى تأهيلها لتجاري التطور التكنولوجي من حولنا. والعالم في تطور متسارع يطاول كل نواحي الحياة البشرية، فيما لا تزال آليات المعاملات في الإدارات العامة تراوح في زمن الستينيات من القرن الماضي.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات