بقلم محمد المشهداني
«الشراع»
بدأت حكاية مشروع العراق النووي منذ العهد الملكي الهاشمي في العام 1956. حينما كان العراق البلد العربي الوحيد في حلف بغداد، الذي رعته أميركا وقادته بريطانيا بموجب التحالف بينهما.
قررت الولايات المتحدة الأمريكية منح العراق مفاعلاً تجريبيًا صغيراً ،ومكتبة ضخمة كبيرة بالأبحاث العلمية والنووية، ضمن برنامج الذرة من أجل السلام ،الذي أطلقه الرئيس الأميركي الاسبق دوايت ايزنهاور ،ودعا إلى مشاركة الولايات المتحدة المعلومات النووية مع حلفائها، من أجل مواجهة المد الشيوعي السوفييتي. وصلت المكتبة إلى العراق أولا ،وبينما كان المفاعل في طريقه نحو العراق على متن سفينة شحن، صار الحدث الذي قلب الأمور رأساً على عقب هو سقوط النظام الملكي الهاشمي، وتأسيس الجمهورية بقيادة الفريق عبد الكريم قاسم والفريق عبد السلام عارف، و اصبح الان العراق دولة اشتراكية وتغيرت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عامة ،ومعها تحول مسار المفاعل النووي من مدينة البصرة إلى مدينة بوشهر الإيرانية.
منحته امريكا إلى شاه إيران محمد رضا بهلوي، اقوى حليف لأميركا في المنطقة والشرق الأوسط. مثلت النهضة الأولى في برنامج إيران النووي. وجه العراق مساره نحو الاتحاد السوفياتي ووقع الجانبان على انشاء أبحاث نووية سلمية من نوع اي ار تي 2000. وفي أقل من عقد تم افتتاح منشأة التويثة للأبحاث إضافة إلى عدة مباني لإنتاج النظائر المشعة. وتسارعت الجهود النووية للعراق مع صعود النظام البعثي وتولي الرئيس صدام حسين منصب نائب الرئيس احمد حسن البكر وصدور قرار تأميم النفط العراقي عام 1972 وبما وفر لبغداد فوائض مالية كبيرة وضخمة، وخصوصًا مع زيادة أسعار النفط بعد حرب أكتوبر العام 1973. بدأ صدام مسيرة البرنامج النووي من الغرب وتحديداً مع فرنسا العام 1976. أثمر التعاون بين العراق وفرنسا في تدشين المفاعل النووي السلمي تموز 1 بقدرة 70 ميغاوات “أوز براك” مع تزويده في العام 1979. 70 كيلو غراماً من اليورانيوم مع شحنات متفرقة لتؤكد من عدم استخدامه لأغراض عسكرية، وبيعه مفاعل نووي ثاني اصغر بقدره 800 كيلو وات لأغراض التجارب.
شيد المفاعلان في منطقة التويثة واخفي عن الأنظار بسواتر ترابية بطول 15 كيلو مترا وارتفاع 25 مترا وبني تحتهما نفقان سريان بينما تلقى العلماء والمهندسين تدريبهم في مركز ساكلاي الفرنسي للبحوث العلمية والنووية و كذلك توجه صدام حسين إلى ايطاليا وقعت بعدها البلدان عقد التعاون النووي مدته 10 سنوات. زودت روما بموجبه بغداد بمعمل لإنتاج البلوتونيوم للأغراض السلمية والطبية والصناعية. أثارت هذه التطورات والترقب الرعب والقلق في إسرائيل التي كانت مقتنعه ان العراق يرغب في صناعة قنبلة نووية، تغير موازين القوى في المنطقة والشرق الأوسط بدأ بعد ذلك الضغط على حلفاء وشركاء العراق النوويين في وقف التعاون والتنسيق مع العراق بعدها تراجعت فرنسا عن تعهداتها في تصدير اليورانيوم المخصب بنسبة 93 بالمئة للعراق، وبدأ الفرنسيون في تخصيب نوع جديد من الوقود الذري اسمه كراميل بنسبة 7 بالمئة خصيصا لأجل العراق. شرعت إسرائيل أيضا في اختراق البرنامج النووي العراقي، ونجحت في تجنيد مهندس إيطالي امدها بأسرار المفاعل العراقي وتطوره وتقدمه وكما جندت مهندساً فرنسياً مميزاً بدأت بعدها رسائل تهديد تصل إلى المهندسين الأجانب العاملين في البرنامج النووي العراقي، وسرعان ما عملت سياسة الاغتيالات الإسرائيلية المشهورة بدأ الأمر في اغتيال العالم الذرة المصري يحيى المشد في باريس، وبعدها تم اغتيال المهندسين العراقيين عبد الرحمن رسول في جنيف، وسلمان رشيد اللامي في باريس. لما لم يكن كل ذلك يكفي. قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن. توجيه ضربة عسكرية دمر فيها مفاعل حزيران كليا وظن الجميع ان برنامج العراق النووي قد انتهى تماما ،لكن ما حدث كان العكس من ذلك تماما، وقبل العملية اوبرا لم يكن هناك مصادر أن العراق ينوي صناعة قنبلة نووية، وهنا ان مشروع العراق الذري كان معتمدا في الكامل على دولتين: هما إيطاليا وفرنسا وكان يخضع في الكامل بإشراف وكالة الطاقة الذرية، لكن ذلك تغير بعد الضربة الجوية بعد أقل من مدة أطلق العراق ابان حكم صدام برنامج نووي عسكري سري تحت اسم وعنوان الدائرة 3000. وهذه المرة اخفى العراق نشاطه عن العالم كله، كلف العلماء والخبراء العراقيون منهم جعفر ضياء جعفر في الإشراف عن البرنامج ونشاطه بشرط واحد وضعه صدام حسين ان يكون الاعتماد على السواعد والعلماء والخبراء العراقيين والعرب فقط. لكن تعثر المشروع بسبب العقبات التقنية والخلافات بين أعضائه، ولكن في العام 1987شكل فريق متخصص بجمع المعلومات اللازمة للبرنامج العراقي واستندت قيادته إلى عالم الذرة العراقي عماد خدوري.
بدأ خدوري في البحث في مكتبة منظمة الطاقة الذرية العراقية، وفي إحدى زوايا المكتبة وجد صندوقاً من أرشيف المكتبة النووية التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى العراق في العهد الملكي الهاشمي، وبالتزامن مع ذلك بدأت عمليات تمؤية معقدة لبرنامج بقيادة ظافر سلبي. وشرع العلماء العراقيون في صناعة جهاز فصل كهرو مغناطيسي أطلق عليه اسم بغداد ترون، على غرار جهاز الكا ترون المستخدم في مشروع مانهاتن النووي الأميركي. بعدها أسس العراق سبعة مواقع كاملة للمشروع النووي وأبرزها موقع الصفاء حيث منظومة تخصيب اليورانيوم، وموقع الأثير الذي كان، ومن المفروض ان يشهد صناعة وإنتاج اول قنبلة نووية عراقية. وضع العراق في بداية الطريق، لكنه لم يكن قريبًا من إنتاجه. هذا هدفه ربما ثلاث سنوات او اكثر ولكن فجأة حدث حدث فجر كل شي هو حرب الخليج الثانية وغزو الكويت 1990_ 1991. اي ما أدى إلى تشكيل تحالف دولي بهدف إفشال الغزو وبعدها بعدة أشهر بدأت الطائرات الأميركية في طلعة جوية تقصف المدن والبنى التحتية العراقية، ومعها المواقع والمنشآت والمواقع النووية وعقب انسحاب العراق من الكويت، نشرت فرق التفتيش الدولية وعلى الرغم من محاولات حسين كامل صهر صدام حسين والمسؤول المباشر لبرنامج التسليح النووي مراوغة المفتشين الدوليين عبر إخفاء الملفات والمواقع النووية السرية، لكن دون جدوى تم اكتشاف تفاصيل البرنامج النووي العراقي، وتم تفكيك ما تبقى من المواقع النووية. وشرعت بعدها جميع الإدارات الأميركية في امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وفرضت الحصار والعقوبات الإقتصادية الجائرة ضد العراق وشعبه. إلى أن تم إقرار قانون تحرير العراق وسقوط النظام البعثي في العام 2003.
The post “قصة البرنامج النووي العراقي” appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

