قلبي يحبك يا دنيا!
Spread the love

ريما بالي – الناس نيوز ::

“مرحباً يا أصدقاء، آمل أن تكونوا جميعاً بحالة جيدة، (بغض النظر عن الأوبئة المنتشرة مؤخراً، والمآسي اليومية المحلية والكوارث العالمية!).

أظن أنه ستكون لنا هنا في الأسابيع القادمة بعض الدردشات حول وضعي الصحي، ورغم أنني لا أنوي أن أحول هذه الصفحة إلى لوحة نشرات طبية، إلا أنني أعتقد أن إطلاعكم على المستجدات أولاً بأول قد يكون مفيداً ومريحاً. (أنا على استعداد للإجابة عن أي سؤال بكل سرور)”.

بعد أن اكتشف فجأة إصابته بالسرطان، كتب جاستن (55 عاماً، أحد أصدقاء زوجي)، الرسالة السابقة على صفحة المحادثة (في تطبيق واتساب) التي تضمهما مع مجموعة من أصدقاء الطفولة والشباب الذين تفرقوا في أرجاء الكرة الأرضية.

لاحقاً، وبعد عدة أيام، وإجابةً عن الأسئلة والاستفسارات التي وصلت، كتب جاستن مجدداً:
“خطوتي القادمة، هي علاج كيماوي جديد محتمل، عندي اجتماع غداً لتقييم ما إذا كان جسمي سيتقبل قصفاً كيماوياً آخر، آمل أن يكون كذلك، لأنني على استعداد لتجربة أي شيء في أي أمر كان (كما كنت دائماً وسأبقى أبداً). وبغض النظر عن النتيجة التي ستؤول إليها الأمور في الغد، ما تزال متاحة أمامي خيارات أخرى، وهو أمر جميل ومهم: خيارات = فرص = أمل، إذن، دعونا نأمل.Boys ، لتفيض أكوابنا دائماً. بصحتكم وصحتي”.

بضعة أسابيع تمر قبل أن يكتب جاستن:
“منذ حوالي ثلاثة أسابيع، أظهر اختبار روتيني أن معدل ضربات قلبي أثناء الراحة يبلغ حوالي 160 نبضة في الدقيقة! (وهو كما قيل لي الرقم الذي يماثل معدل ضربات قلب عدّاء ماراتون!) إذن فهذا ليس بالأمر الجيد، وقد لحق بذلك الاختبار عشرات الاختبارات الأخرى والإجراءات والمعالجات، حتى بدأ المعدل ينخفض ببطء، لكن بثبات.

لا أستطيع أن أنكر أنني شعرت بالسوء وتساءلت إلى أين سيؤدي بي هذا التردي إن استمر؟ حتماً، إلى زيارة “مكان مظلم”… ترى؟ هل سأتحسن؟ أم هذا كل شيء؟ الأسوأ يصبح حقيقياً!! ولكن.. حسناً… ولحسن الحظ فقد تحسنت كثيراً في الأيام الأخيرة، 75% على الأقل عن الأسابيع السابقة، إذن، الخلاصة، ولوصف حالتي في هذه اللحظة، فالأمور تتضمن وجهاً إيجابيَا.. فأنا آكل جيداً.. والألم مُسيطر عليه عموماً بشكل معقول… والطقس الملعون جمييييل…”.

وكانت تلك الرسالة الأخيرة لجاستن، الذي توفي بعد بضعة أيام من إرسالها.
لماذا جاستن ورسائله الأخيرة؟ لا أعرف تحديداً لماذا، لكنني باطلاعي على تلك الرسائل، تغيّر شيء ما في داخلي أو لنقل تحرك. فكرة ومضت في رأسي فخطفت أنفاسي لبرهة، إذ لطالما تساءلت بما يفكر الإنسان المقبل على الموت، وقد جاءتني الإجابة في كلمات جاستن البسيطة والفياضة بالمعاني، واقشعر بدني، وقررت أن أنقل تجربتي عبر هذا المقال ليس احتفاءً مني بالموت، فأنا أؤمن بمقولة أبيقور “لا يعنيني الموت في شيء.. فطالما أنا موجود.. فهو غير موجود.. وعندما يكون الموت.. أنا لن أكون موجوداً”. وإنما احتفاءً بالحياة.. وبأبسط صورها.

عندما تدرك أنك تنزلق بحركة سريعة نحو مكان مظلم، عندما تعرف أن الأسوأ صار حقيقياً، تمتعك مجرد لقمة لذيذة، وتشعر بالامتنان لأن شعورك بالألم صار أخف، ويطربك جمال الطقس.

وإذا أضفنا إلى تلك الرفاهية شيئاً من الموسيقى، ومحادثة طريفة مع أصدقاء العمر، نكون قد لخصنا مفهوم السعادة بأبسط صوره وأوضحها، صور تعكس جمال الحياة، ضمن تفاصيل قد تبدو لنا تافهة، إذ نجدها غالباً طوع بناننا ولا تكفينا.

تفاصيل تبدو ساذجة لمقبل على الحياة عامرَ الخيالِ بالطموح، لكنها وبشهادة إنسان مقبل على الموت، تثبت أحقيتها وأصالتها، وثباتها أمام التفاصيل الأخرى التي نقضي عمرنا لاهثين خلفها، من نجاح ومجد وثراء، وتخطي الحدود وتحدي الذات، وترك بصمة وتسجيل موقف والتلذذ بالمتع الحياتية الخلابة على أنواعها التي لا يتوقف العمل على ابتكار الجديد منها.. ملذات لا تعرف طريقها إلينا إن لم تمهد هذه الطريق لها تلك الملذات الصغيرة الأولية الساذجة.. وأعود إلى فلسفة أبيقور الذي قال: “من لا يرضى بالقليل لا يرضى أبداً”.. وإذن.. من لا تمتعه نسمة ربيعية عليلة تلامس خده.. لن تمتعه رحلة صاخبة على سفينة باذخة تطوف به على أجمل موانئ وشواطئ العالم.

هنا أتذكر وأذكّر بجملة جميلة طالما توقفت عندها وتعلمت منها، (يعرفها الكثيرون بالطبع، لكنني وبالعذر منكم لن أتبحر بالحديث عن مصدرها لمن لا يعرفها، كي لا أبدو كداعية دينية وأنا أبعد ما أكون عن ذلك):
“مرتا مرتا… أنت تهتمين لأمور كثيرة وتضطربين.. وإنما المطلوب واحد”. (لوقا 10/38-42).
لست ضد مطاردة الفرح والطموح والأحلام الكبيرة، وأنا من مناصري البحث عن المتعة والبهجة أينما وجدا، ولكن… في غياب كل تلك التفاصيل، ورغم هيمنة الخوف والألم.. تعلمت أن الحياة.. تبقى جميلة.

ولا تغيب عن ذاكرتي صورة جدي في آخر أيامه، التي تزامنت مع الحرب والحصار على حلب، وكان قد بلغ عامه المئة، جالساً في البرد القارس، متدثراً بأغطية سميكة ومعتمراً قبعة صوفية، يستمع لمطربه المفضل يغني عبر أسطوانة عتيقة: “يا دنيا يا غرامي…يا دمعي يا ابتسامي… مهما كانت آلامي… قلبي يحبك يا دنيا”.

The post قلبي يحبك يا دنيا! first appeared on الناس نيوز.

التاريخ

المزيد من
المقالات