لبنان: خطورة التقسيم.. في مواجهة الانهيار؟
Spread the love

بقلم محمد السماك

”اساس ميديا”

في مؤتمر دولي عُقد في مركز مؤسّسة روكفلر للدراسات والأبحاث في جزيرة كومو بإيطاليا، حاول المؤتمرون استخلاص الدروس المشتركة من ثلاث قضايا:

– القضيّة اليوغوسلافيّة (تعدّد القوميّات: الصرب، الكروات، البوسنيّون).

– القضيّة الإيرلندية (الانقسام بين الجنوب الكاثوليكي والشمال الأنكليكاني).

– القضيّة اللبنانية (الخلاف الإسلامي – المسيحي).

الملاحظة المهمّة التي خرج بها المؤتمر هي أنّه عندما يتلازم الانقسام العنصري أو الديني أو المذهبي مع انقسام اجتماعي – اقتصادي، فان هذا التلازم يشكل فتيل انفجار.

لذلك حذّر المؤتمر في استخلاصاته من الربط بين مبدأ الإدارة الموسّعة والتنمية. فالإدارة شأن محلّيّ محدّد، أمّا التنمية فشأن وطني عامّ ومشترَك.

لكلّ جماعة لبنانية خصوصيّة يجب احترامها. وهذه الخصوصيّات ليست جديدة وليست طارئة. إنّها أصيلة ومتجذّرة. وهي ليست محصورة في لبنان، بل تنتشر في المنطقة كلّها.

المسيو بلانش.. والوطن

في عام 1856 وجّه القنصل الفرنسي في بيروت المسيو بلونش مذكّرة إلى وزير خارجيّة بلاده قال فيها: «الحقيقة الكبرى والأبرز التي تحضر أثناء دراسة هذه البلدان هي المكانة التي يحتلّها الفكر الديني في أذهان الناس، والسلطة العليا التي يشكّلها في حياتهم. فالدين يظهر حيث كان، وهو بارز في كلّ المجتمع الشرقي، في الأخلاق وفي اللغة والأدب وفي المؤسّسات.. وترى أثره في كلّ الأبواب.. الشرقيّ لا ينتمي إلى وطن حيث وُلد، الشرقيّ ليس له وطن، والفكرة المعبِّرة عن هذه الكلمة، أي عن كلمة وطن، أو بالأحرى عن الشعور الذي توقظه، غير موجودة في ذهنه، فالشرقي متعلّق بدينه كتعلّقنا نحن بوطننا. وأمّة الرجل الشرقيّ هي مجموعة الأفراد الذين يعتنقون المذهب الذي يعتنقه هو، والذين يمارسون الشعائر ذاتها، وكلّ شخص آخر بالنسبة إليه هو غريب..».

من أجل ذلك فإنّ أيّ بحث عن أيّ تصوّر لبناء مستقبل وطنيّ مشترك لا ينطلق من الاعتراف بالاختلافات والتباينات، ولا يُقرّ باستحالة تجاوزها أو ليّ ذراعها أو حتى صهرها في بوتقة واحدة، هو في الحسابات الأخيرة بحث عقيم ومضيعة للوقت. ثمّ إنّ أيّ محاولة لجعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وجهاً آخر لهذه الاختلافات والتباينات هي محاولة للهروب من مسؤوليّات ومن تحدّيات بناء مجتمع وطني متّحد ومتماسك.

لم تستطع الأنكليكانيّة إلغاء كاثوليكية إيرلندة. ولم تستطع مجزرة سيبرنيتشا أن تلغي البوسنيّين، ولا استطاع الصرب إلغاء الكروات.

وفيما نبحث في لبنان عن رؤيا للمستقبل، من المفيد جدّاً وضع تجارب الآخرين أمامنا لاستخلاص الدروس والعِبر منها.

ما رأي المستشرقين؟

هناك مصدر آخر ربّما يكون أكثر أهميّة لاستخلاص الدروس والعِبر. هذا المصدر هو رؤية الآخرين التي تتضمّن ما يريدون أن يكون عليه مستقبل لبنان كجزء من منطقة الشرق الأوسط، ومحاولاتهم تحقيق هذه الرؤية.

ففي عام 1978 أعدّ المستشرق البريطاني – الأميركي – اليهودي برنارد لويس دراسة لحساب وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) هدفها التصدّي للتغلغل الشيوعي في العالم العربي – الإسلامي، ووقف التسلّل السوفياتي إلى المياه الدافئة. اقترح لويس في دراسته التي نشرتها مجلة American Strategic Survey إعادة النظر في خريطة المنطقة من باكستان حتى المغرب بحيث يكون لكلّ جماعة دينية أو مذهبية أو عنصرية كيان سياسي خاصّ بها. واعتبر أنّه بذلك تصبح الكيانات الجديدة مدينة في تحقيق طموحاتها الذاتية للولايات المتحدة فتلجأ إليها وتعتمد عليها وتدير ظهرها للسوفيات.

غير أنّ الدراسة التي تبنّتها إسرائيل واتّخذتها أساساً «لاستراتيجيّتها في الثمانينيّات» من القرن الماضي، تمزِّق العالم العربي إلى دويلات دينية أو مذهبية متناحرة ومتصارعة، بحيث تكون إسرائيل الدولة الأقوى والمهيمنة على المنطقة كلّها، فيتحقّق لها الأمن الاستراتيجي على مدى طويل. والواقع أنّ هذه الدراسة تتكامل مع السياسة الإسرائيلية في المنطقة منذ الخمسينيّات من القرن الماضي، إلا أنّ الجديد فيها هو أنّها تجعل من الولايات المتحدة شريكاً أساسيّاً في تنفيذها نظراً إلى تلاقي المصالح الاستراتيجية مع إسرائيل (مشروع الرئيس دونالد ترامب).

نظرية نفّذها شارون

هكذا في 18 كانون الأول 1981 نشرت جريدة «معاريف» الإسرائيلية نصّ محاضرة للجنرال أرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت، جاء فيها ما يلي بالحرف: «إنّ إسرائيل تصل بمجالها الحيوي إلى أطراف الاتحاد السوفياتي شمالاً، والصين شرقاً، وإفريقيا الوسطى جنوباً، والمغرب العربي غرباً.. فهذا المجال عبارة عن مجموعات قومية وإثنية ومذهبية متناحرة. ففي باكستان شعب «البلوش»، وفي إيران يتنازع على السلطة كلّ من الشيعة والأكراد، وفي تركيا الأكراد والمسألة الأرمنيّة، وأمّا العراق فمشكلاته تندرج في الصراع بين السُنّة والشيعة والأكراد، في حين أنّ سورية تواجه مشكلة الصراع السنّيّ – العلوي، ولبنان مقسوم على عدد من الطوائف المتناحرة، والأردن مجال خصب لصراع من نوع فلسطيني – بدويّ، وفي الإمارات العربية وسواحل المملكة العربية السعودية الشرقية يكثر الشيعة من ذوي الأصول الإيرانية، وفي مصر جوّ من العداء بين المسلمين والأقباط، وفي السودان حالة مستمرّة من الصراع بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي – الوثني، وأمّا في المغرب فالهوّة ما بين العرب والبربر قابلة للاتساع»([1]).

كان أرييل شارون وزيراً للدفاع في إسرائيل عندما حاول أن يرسي في لبنان أوّل قاعدة لهذه النظرية. فقد قاد جيشه في أثناء اجتياح لبنان الذي شمل العاصمة بيروت متّكئاً على نظرية الاعتماد على قلق المسيحيين من توسّع النفوذ الفلسطيني سياسياً وأمنياً وحتى اقتصادياً. وكان قلَقاً مشروعاً لم ينتبه له المسلمون في حينه.

تقسيم لبنان والسودان والعراق

من هنا لا يمكن الفصل بين ما حدث في لبنان من فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين، وما حدث في السودان بين الشمال والجنوب وأدّى إلى انقسام الدولة إلى دولتين لم تعرف أيّ منهما الأمن والاستقرار حتى الآن. ولا يمكن الفصل بين أبعاد هذه الفتن وما جرى في العراق من محاولة لفرض خريطة إثنية – مذهبية على أساس الشمال الكردي (شمال خط العرض 36) والجنوب الشيعي (جنوب خط العرض 32) والوسط السنّيّ (بين خطّيْ العرض 32 و36) كنتيجة مباشرة من نتائج الاجتياح الأميركي في عام 2003 (جورج بوش الابن).

لقد تعلّمتُ أيضاً من مؤتمر جزيرة كومو أنّ الحلول التي تفرضها قوى خارجية هي تسويات مرحلية وليست حلولاً دائمة. والتسويات بحكم طبيعتها تتأثّر بمصالح وبعلاقات التسوويّين، وهي تستمدّ استمرارها من معادلات متبدّلة ومن ظروف متغيّرة. هكذا حدث، ويحدث الآن، في إيرلندة الشمالية والجنوبية بعد البريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي). وهكذا حدث ويحدث الآن أيضاً في البوسنة والهرسك بعد وقوف صربيا إلى جانب روسيا في الحرب الأوكرانية. وهو ما يواجهه لبنان اليوم في ضوء تغيّر معادلات القوى الإقليمية والدولية المؤثّرة فيه وغير المتأثّرة به.

* جريدة معاريف الإسرائيلية – 18 كانون الأول 1981.  (1)

The post لبنان: خطورة التقسيم.. في مواجهة الانهيار؟ appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

التاريخ

المزيد من
المقالات