Reading in العربية (Arabic) | Read in English
من جديد تعود ليبيا إلى قلب النقاشات الإقليمية والدولية بعد التسريبات التي جرى تداولها حول ما يعرف بمبادرة بولس وهي المبادرة التي يقال إنها تحظى بدعم أمريكي وتسعى إلى إعادة ترتيب السلطة في البلاد عبر تفاهمات جديدة بين مراكز النفوذ الرئيسية في الشرق والغرب وقد جاءت هذه التسريبات في لحظة شديدة الحساسية يعيشها الداخل الليبي بعد سنوات طويلة من الانقسام السياسي والتشظي المؤسسي والصراع على السلطة والثروة والنفوذ
لكن اللافت هذه المرة أن الحديث لم يعد يدور حول انتخابات مؤجلة أو قاعدة دستورية متعثرة أو حتى مسار سياسي برعاية أممية كما جرت العادة خلال السنوات الماضية بل أصبح الحديث يدور بشكل أكثر وضوحا حول إعادة تشكيل السلطة عبر تفاهمات مباشرة بين القوى التي تمتلك النفوذ العسكري والاقتصادي والأمني على الأرض وهو ما يعكس تحولا مهما في طريقة تفكير القوى الدولية تجاه الأزمة الليبية
فعلى ما يبدو لم تعد بعض العواصم الكبرى تنظر إلى ليبيا باعتبارها أزمة يمكن حلها عبر الأدوات التقليدية التي جرى الحديث عنها منذ اتفاق الصخيرات وحتى مسارات جنيف بل أصبحت تنظر إليها باعتبارها ملفا يجب احتواؤه وإدارته وفق موازين القوى القائمة مهما كانت طبيعة هذه القوى أو حجم الجدل المحيط بها
ومن هنا يمكن فهم طبيعة التسريبات المتعلقة بالمبادرة الأمريكية والتي تقوم على الدفع بصدام حفتر نحو رئاسة مجلس رئاسي جديد مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيسا لحكومة موحدة وهي صيغة تحمل في ظاهرها محاولة لإنهاء الانقسام بين الشرق والغرب لكنها في جوهرها تعكس توجها نحو تكريس النفوذ القائم أكثر من كونها محاولة لبناء دولة حقيقية
فالذي يجري الحديث عنه ليس تأسيس مشروع وطني جامع ولا بناء مؤسسات مستقلة قادرة على إدارة البلاد بعيدا عن منطق القوة بل هو أقرب إلى صيغة تفاهم بين شبكتين كبيرتين للنفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي بحيث يحصل كل طرف على ضمانات تسمح له بالبقاء داخل معادلة السلطة لفترة أطول
وهنا تكمن المعضلة الأساسية لأن ليبيا التي دفعت ثمنا باهظا خلال السنوات الماضية لم تكن تعاني فقط من الانقسام السياسي بل من غياب الدولة نفسها وتحول السلطة إلى مزيج من التفاهمات المؤقتة والتحالفات المسلحة والمصالح الاقتصادية المتشابكة ولذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج المشهد نفسه بوجوه جديدة لن تؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار لا أكثر
الخطير في المبادرة المطروحة أنها تعطي انطباعا واضحا بأن المجتمع الدولي بدأ يفقد اهتمامه بفكرة التحول الديمقراطي الحقيقي داخل ليبيا وأن الأولوية أصبحت موجهة نحو صناعة استقرار شكلي يضمن استمرار تدفق النفط ومنع الانهيار الأمني والسيطرة على ملفات الهجرة والنفوذ الإقليمي حتى وإن جاء ذلك على حساب حق الليبيين في بناء دولة شرعية تقوم على الإرادة الشعبية
فبعد سنوات من الحديث عن الانتخابات والدستور وإنهاء المراحل الانتقالية يجد الليبيون أنفسهم اليوم أمام مقاربة جديدة تقوم على إعادة توزيع السلطة بين القوى الأكثر نفوذا وكأن الأزمة الليبية لم تعد أزمة شعب يبحث عن دولة بل أزمة مراكز نفوذ تبحث عن صيغة لتنظيم مصالحها
ولا يمكن تجاهل أن فكرة الدفع بصدام حفتر إلى واجهة السلطة التنفيذية تحمل أبعادا تتجاوز الداخل الليبي نفسه فالرجل لا يمثل فقط شخصية عسكرية صاعدة داخل الشرق الليبي بل يمثل أيضا امتدادا لمشروع عسكري وأمني تشكل خلال سنوات الحرب ويحظى بعلاقات إقليمية ودولية واسعة كما أن طرح اسمه في هذا التوقيت يعكس وجود رغبة لدى بعض الأطراف الدولية في بناء سلطة أكثر تماسكا من الناحية الأمنية حتى وإن جاء ذلك على حساب التوازنات السياسية والاجتماعية داخل الغرب الليبي
لكن المشكلة أن من يعتقد أن ليبيا يمكن أن تدار بهذه البساطة يتجاهل طبيعة التركيبة الليبية نفسها فالمشهد في الغرب الليبي ليس كتلة واحدة كما أن القوى الموجودة في طرابلس ومصراتة والزنتان والزاوية والأمازيغ تمتلك حساباتها الخاصة ومصالحها وشبكات نفوذها وهي قوى لن تقبل بسهولة بأن تتحول إلى مجرد طرف هامشي داخل ترتيبات سياسية يجري إعدادها خارج التوافق الوطني الحقيقي
ولهذا فإن المعارضة التي بدأت تظهر تجاه المبادرة لا يمكن التقليل من أهميتها لأنها لا ترتبط فقط بموقف سياسي من أسماء معينة بل ترتبط بالخوف من أن تتحول ليبيا إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين عائلات وقوى مسلحة بدلا من أن تكون دولة مؤسسات وقانون
كما أن الحديث عن الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة داخل السلطة يطرح بدوره الكثير من الأسئلة لأن الرجل خلال السنوات الماضية نجح في بناء شبكة واسعة من التحالفات المالية والسياسية داخل الغرب الليبي واستفاد من حالة الانقسام للحفاظ على موقعه لكن بقاءه ضمن أي صيغة جديدة قد يفسر باعتباره جزءا من صفقة تهدف إلى ضمان استمرار التوازن بين مراكز القوة لا أكثر
وفي الحقيقة فإن أخطر ما أنتجته السنوات الماضية في ليبيا هو تحول السلطة إلى مصدر هائل للمصالح الاقتصادية حيث نشأت شبكات معقدة من الفساد والامتيازات والولاءات داخل مؤسسات الدولة وأصبح استمرار الانقسام يخدم أطرافا كثيرة راكمت نفوذها وثرواتها في ظل غياب الرقابة والمحاسبة ولهذا فإن أي مبادرة سياسية لا تتعامل مع هذه البنية الاقتصادية العميقة للأزمة ستظل مجرد اتفاق هش قابل للانهيار في أي لحظة
ومن الواضح أيضا أن المقاربة الأمريكية الحالية تنطلق من فهم مختلف لطبيعة الصراع في المنطقة فالولايات المتحدة اليوم تنظر إلى شمال أفريقيا والساحل باعتبارهما ساحتين مفتوحتين للتنافس الدولي خاصة مع تصاعد الحضور الروسي وتزايد التحولات الأمنية في دول الساحل والانقلابات المتكررة والتغيرات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة والهجرة والإرهاب ولهذا فإن ليبيا بالنسبة لواشنطن لم تعد مجرد ملف سياسي بل أصبحت جزءا من معركة أوسع تتعلق بالنفوذ الإقليمي وإعادة رسم خرائط المصالح
كما أن التوترات الدولية الحالية سواء ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا أو التصعيد في الشرق الأوسط أو المواجهة غير المباشرة مع إيران كلها عوامل تجعل القوى الكبرى أكثر ميلا إلى البحث عن ترتيبات سريعة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار حتى وإن كانت هذه الترتيبات تفتقر إلى الشرعية الشعبية الحقيقية
وفي المقابل يبدو الموقف الأوروبي مرتبكا وضعيفا مقارنة بالمراحل السابقة فالدول الأوروبية التي كانت في وقت ما لاعبا رئيسيا في الملف الليبي أصبحت اليوم أقل قدرة على التأثير نتيجة الانقسامات الداخلية والأزمات الاقتصادية والتبعية المتزايدة للموقف الأمريكي في كثير من الملفات الدولية وهذا الفراغ منح واشنطن مساحة أوسع للتحرك منفردة داخل الساحة الليبية
غير أن أي قراءة واقعية للمشهد تؤكد أن ليبيا ليست دولة يمكن إخضاعها بسهولة لمعادلات النفوذ الخارجية لأن الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية أثبتت أن أي محاولة لفرض حلول فوقية دون توافق داخلي حقيقي تنتهي دائما إلى مزيد من التعقيد والانقسام فالتوازنات القبلية والاجتماعية والعسكرية والسياسية داخل البلاد أكثر تشابكا من أن يتم اختصارها في تفاهم بين شخصيتين أو معسكرين
كما أن الجنوب الليبي الذي ظل لسنوات بعيدا نسبيا عن مركز الاهتمام عاد اليوم ليصبح أحد أخطر الملفات المرتبطة بالأمن الإقليمي خاصة مع التغيرات الجارية في دول الساحل والصحراء وانتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية وهو ما يعني أن أي تسوية لا تتضمن رؤية واضحة لمعالجة الوضع الأمني في الجنوب ستظل ناقصة وعاجزة عن تحقيق استقرار حقيقي
وفي ظل كل هذه المعطيات تبدو ليبيا اليوم وكأنها تقف عند مفترق طرق حقيقي فإما أن تتحول هذه التحركات الدولية إلى فرصة لإطلاق مسار وطني شامل يعيد بناء الدولة على أسس شرعية ويقود إلى انتخابات حقيقية تنهي المراحل الانتقالية وإما أن تدخل البلاد في مرحلة جديدة من إعادة تدوير السلطة عبر تفاهمات مؤقتة قد تمنح هدوءا نسبيا لكنها لن تنهي جذور الأزمة
فالاستقرار الذي يبنى على تقاسم النفوذ لا يصمد طويلا والدول لا تبنى عبر الصفقات المغلقة بل عبر عقد وطني يشعر فيه المواطن بأنه شريك في صناعة مستقبله لا مجرد متفرج على تفاهمات تجري بين القوى الداخلية والخارجية
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بإمكانية نجاح مبادرة بولس أو فشلها بل يتعلق بمستقبل الدولة الليبية نفسها وهل ما يزال هناك أمل في بناء دولة وطنية موحدة تمتلك مؤسسات شرعية وسيادة حقيقية أم أن البلاد تتجه تدريجيا نحو تكريس نموذج يقوم على إدارة الانقسام بدل إنهائه وعلى تنظيم النفوذ بدل بناء الدولة
ذلك هو التحدي الأكبر الذي يواجه ليبيا اليوم وهو أيضا الاختبار الحقيقي لكل القوى المحلية والدولية المنخرطة في هذا الملف المعقد لأن الشعوب قد تقبل بالتسويات المؤقتة تحت ضغط الأزمات لكنها في النهاية لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد داخل دولة معلقة بين الحرب والهدنة وبين السلطة والفوضى وبين الوطن والغنيمة

