Reading in العربية (Arabic) | Read in English
في اللحظة التي خرج فيها الخبر المتداول عن ” فصل العراق عن نظام سويفت ” ، بدا الأمر للوهلة الأولى وكأنه خبر مصرفي يتعلق بشبكة إلكترونية تستخدمها البنوك لإرسال رسائل التحويلات المالية ، الا ان خلف هذه العبارة الباردة تختبئ قصة أكبر بكثير ، قصة دولة خرجت منها القوات الأمريكية عسكريا بينما لم تخرج الولايات المتحدة بالقدر نفسه من بعض مفاصل النظام المالي الذي يقوم عليه الاقتصاد العراقي
فالانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ ، فأحيانا عندما يغادر الجندي القاعدة يبقى تأثير الدولة في المصرف ، والدولار ، والحسابات الخارجية ، وشبكات المراسلة المالية ، وهذا بالضبط ما يجعل خبر ” سويفت ” جديرا بالنظر اليه من زاوية تتجاوز المصطلح المصرفي ، الا أن الصورة الدقيقة تحتاج إلى تمييز مهم وهو ان العراق لم يفصل بالكامل عن سويفت كدولة وفق ما تظهره المعطيات المتاحة ، فما يجري يرتبط بقيود وعقوبات وضغوط على مصارف عراقية بعينها وبمدى قدرتها على الوصول إلى النظام المالي الدولي والمراسلين الخارجيين ، بل إن البنك المركزي العراقي أعلن في يوليو الماضي التوصل إلى تفاهم لإعادة سبعة مصارف عراقية مقيدة إلى قنوات المراسلة المصرفية الخارجية غير المرتبطة بالدولار بعد استكمال متطلبات الامتثال والحوكمة
إذن، لماذا يظهر خبر ” فصل العراق عن سويفت ” في هذا التوقيت؟
هنا تصبح السياسة أكثر وضوحا من الخبر نفسه ، فالعراق قد أنهى وجود القوات الأمريكية بصورة عسكرية في سبتمبر 2026 ، الا ان عائداته النفطية ما زالت مرتبطة بمنظومة مالية خارجية شديدة الحساسية ، وتكشف التقارير الحديثة أن عائدات النفط العراقي التي تشكل نحو 90% من موازنة الدولة تمر عبر حساب البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ، ما يمنح واشنطن أدوات نفوذ مالية حتى بعد انتهاء المهمة العسكرية الأمريكية ، وهذا يعني أن السؤال الحقيقي ليس : هل أُغلق سويفت أمام العراق ؟ بل : إلى أي مدى يستطيع العراق أن يتحرك داخل النظام المالي العالمي من دون أن يصطدم بالأبواب التي تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها مفاتيحها ؟
إن كل ذلك عبارة عن صيغة جديدة للنفوذ ، ففي الحروب القديمة كانت الدولة تعرف خصمها من لون الزي العسكري ، أما في حروب الاقتصاد الحديثة فقد يأتي الضغط من شاشة مصرفية أو من حساب مراسل أو من قائمة عقوبات أو من تحويل يتوقف في منتصف الطريق ، والأخطر في ذلك هو أن العقوبة لا تحتاج إلى أن تكون شاملة حتى تؤدي وظيفتها ، فيكفي أن تستبعد بعض المصارف ، أو تفرض عليها قيود بالدولار ، أو ترتفع متطلبات الامتثال إلى درجة تجعل التعامل معها محفوفا بالمخاطر بالنسبة إلى المصارف الأجنبية ، حتى تبدأ دائرة التأثير بالاتساع
وهذا ليس افتراضا نظريا ، فالسجلات الأمريكية للعقوبات تتضمن بالفعل مصارف عراقية مرتبطة بقيود مالية وبعضها يحمل رموز ” SWIFT/BIC ” عراقية ، ما يوضح أن القضية تتعلق بالمؤسسات المالية وقنوات الوصول إلى النظام الدولي أكثر من كونها عزلا كاملا للعراق عن شبكة سويفت ، فالمال ليس مجرد وسيلة للتبادل ، إنه خريطة تكشف العلاقات بين بعضها البعض ، في : من يحول الأموال؟ وإلى أين تذهب ؟ ومن هو المستفيد الحقيقي؟ وأي مصرف يمر عبره التحويل؟ ومن هي الجهة الأجنبية التي تقبل التعامل معه؟ ، كل هذه الأسئلة أصبحت اليوم جزءا من الأمن الدولي ، ولهذا فإن السيطرة على مسارات المال قد تكون أحيانا أكثر فعالية من السيطرة على الأرض
والعراق يقع في قلب هذه المعادلة ، فهو دولة نفطية ضخمة وموقعه الجغرافي يجعله نقطة تماس بين ” إيران والخليج وتركيا والولايات المتحدة ” كما أن علاقاته الاقتصادية مع الخارج تحتاج إلى الدولار والمراسلين المصرفيين والشبكات المالية الدولية ، وفي المقابل من ذلك أعلنت بغداد خطوات لإعادة دمج المصارف المقيدة في النظام المالي العالمي ، وهو ما يكشف أن المعركة ليست مجرد عقوبة وإنما أيضا عملية إعادة تشكيل للقطاع المصرفي العراقي وفق معايير الامتثال والحوكمة الدولية ، ليصبح من هنا خروج القوات الأمريكية من العراق أكثر إثارة للتأمل
فإذا كان الوجود العسكري قد انتهى ، فإن السؤال الذي يطفو في الخلفية هو : هل انتقل النفوذ من قاعدة عسكرية إلى منظومة مالية؟ ، فالوقائع تقول ” إن النفوذ الاقتصادي لم يختف بمجرد انتهاء الوجود العسكري ” وهذا ما يجعل اللحظة الحالية حساسة للغاية ، فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني فقط أن يكون القرار السياسي داخل حدود الدولة بل تعني أيضا أن تمتلك الدولة قدرة حقيقية على إدارة أموالها وحماية نظامها المصرفي وضمان انفتاح تجارتها على العالم من دون أن تتحول أدوات الاقتصاد إلى مفاتيح خارجية يمكن استخدامها عند الحاجة
ولهذا فإن خبر ” سويفت ” اليوم ، حتى بصيغته المتداولة التي تحتاج إلى تدقيق يكشف شيئا أهم من الخبر ذاته ، وهو أن المعركة على العراق قد تنتقل من .. من يملك السلاح ؟ إلى .. من يملك مفاتيح المال؟ ، لتصبح السيادة العراقية بذلك أمام اختبار أكثر هدوءا وأشد تعقيدا ، فقد تنتهي الحرب العسكرية بمغادرة آخر جندي ، لكن نفوذ الحرب تبقى طويلا في عمق الحسابات المصرفية ،
وفي عالم لا تسمع فيه أحيانا أصوات صافرات الانذار ، يكون توقف تحويل مالي واحد أكثر قدرة على تغيير سلوك دولة من مئة دبابة على حدودها .




