
الصديق الغالي د. نادر سراج نفخ الرّوح من جديد في مدينتنا بيروت الميّت قلبها في سكون ينقصه فقط خراب المباني زمن الحرب، الفراغ قاتل عدم الحركة موت باردٌ وإن كان الجسد يتنفّس عبر أجهزة تنطفىء الحياة متى توقّفت، ملتزمٌ نادر سراج بالشباب والحداثة ومفرداتها وتقلّب ألسنتها وحروفها بقدر التصاقه بوجدان التّراث البيروتي الذي ورثناه مثله أباً عن جدّ.
تعود صداقتي بالدكتور نادر سراج والعزيزة هدى إلى العام 1988 منذ ذلك العام وهي تسري في عروق حياة تقترب وتبتعد على رقائق الصحائف والكتب والأبحاث واللقاءات والنّدوات، عندما تعرّفت إليه في مبنى «أوجيه لبنان» تلك القلعة التي انسحبت منها الحياة، كان أستاذاً جامعيّاً في بداياته يبذل نفسه ليل نهار للعمل، كان لبنان يشهد حملة هدية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد وكان نادر سراج رئيسها الفعلي على الأرض وكنت منتدبة من إذاعة صوت الوطن إذاعة المقاصد لتغطية عمليّات الحملة في كلّ لبنان، اليوم شاب شعر الدكتور نادر كلّه وقد أمضى أربعين عاماً ينتج وينتج كتبه الكثيرة التي بدأت بمصطلحات الشباب وغاصت في بيروت حتى أعماق المدينة التي نعرف أنّ قدرها أن تتدّمر مرّة تلو الأخرى ولكنّها تعود جوهرة من جديد ولا تموت.
تحدّثنا قليلاً عبر الهاتف من باريس وقبيل اطلالته ظهر الاثنين عبر إذاعة مونت كارلو ليتحدّث عن كتابه «بيروت: جدل الهويّة والحداثة» ـ الذي يعيد فيه بناء ماضي سكّان بيروت ويشيد مكاناً لذكرى إنسانيّة تلمس وجدانهم ـ كما وصف الكتاب ـ كنتُ كمن تلقّى صفعة اختصر فيها د.نادر سراج وجدان بيروت اليوم والأمس والقرون الماضية، قال لي يجب أن تظلّ هذه الحركة موجودة في بيروت لقد رحل وجيه (د. وجيه فانوس) ورحل حسّان (د. حسّان حلاق) وكلّهم أساتذتنا في الجامعة وسندنا ودعامتنا في بناء مكان لذواتنا في بيروت زمن السّلم وزمن الحرب، فعلاً بيروت تفقد أبناءها الكبار في زمن يكاد أبناؤها يكونون فيه في غيبوبة إذلال لا تُصدّق، وبرغم أنف كلّ ما حدث ويحدث لبيروت ما يزال أبناؤها نارا على علم، ومنارة للتائهين في ظلمات لبنان الحالكة!
بقدر ما حمل نادر سراج همّ إعادة إعمار بيروت منذ انتهت الحرب وكان من الجنود المجهولين في ركابه خرج بعده إلى الإعمار الحقيقي الثقافي الذي لا يموت لأنّه صاحب مشروع معرفي بدأه منذ عقد بكتاب «أفندي الغلغول: تحولات بيروت خلال قرن 1854 -1940»، مراحل تدرّج بيروت العشرينيات وما بعدها في سلّم الحداثة الغربية، في مدينة تُعدُّ الأسرع تجاوبًا لإيقاع الجديد والنهوض والتألق. يكتنز الكتاب مشاهد بانورامية موثقة يتشابك فيها التاريخ بالجغرافيا، الاجتماع بالإنسان، والسياسة بمفهومها الرحب بالخصوصية.. وتتمحور فصوله حول التبدلات التي عاشها الناس والمبتكرات الحديثة التي قلبت أدوارًا عند أهالٍ استهدفتهم «مستحدثات العلم المادي» ويسّرت لهم سبل عيشهم.
صراع البقاء والنفوذ بين قيافة عثمانية مدبرة وموضة غربية وافدة تبدت أماراته في شيوع النمط الإفرنكي ومظاهر الفرنجة ونواتج «السلم الفرنسي» وفق مقولة اطلقها الجنرال غورو لدى إعلان دولة «لبنان الكبير».
قدم لكتاب «بيروت: جدل الهويّة والحداثة» مدير مركز الأبحاث الفرنسية والأكاديمي «فرانك ميرميه» واعتبر «أنّ صدور هذا البحث التاريخي واللساني الاجتماعي في هذه الفترة التي تلي انفجار المرفأ في 4 آب 2021 يتخذ أهمية كبرى « وكتب: «ونادر سراج يساهم بهذا البحث الذي سيكون له أهمية كبيرة في تاريخ المدن في العالم العربي في الحدّ من التصدعات المتعددة التي يعانيها خيال سكان المدينة. وهو حينما يعيد بناء هذا الماضي المشترك بهذه الطريقة الرائعة فإنه يشيد من أجل سكان بيروت «مكانًا للذكرى» الإنسانية التي تلامس وجدانهم».
هذه مجرّد تحيّة لواحد من أصدقاء العمر الذين شاء لي الحظّ العظيم أن يكونوا أصدقائي في وقتٍ كانوا فيه في ذلك الوقت أساتذتي في الجامعة وخصّوني منذ ذلك العمر بصفات كثيرة لم يحظَ بها زملائي… حفظ الله بيروت وروّادها في هذا الزّمن رحم الله من سبقونا منهم وأطال عمر د. نادر وزملائه فبيروت ما تزال تحتاج إليهم لحماية وجهها وإخراجه للعالم حقيقة ساطعة لا كما يُراد له أن يكون في زمن الهمجيّة.
m _ [email protected]
The post هوامش – بقلم ميرفت سيوفي- بيروت الحكاية وأصالة نادر سراج appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.


