
بقلم محمد الأمين عيتاني
لم أعرف ألبير فريحة خطيباً مفوّهاً، أو كاتباً ألمعيّاً يقيس كلماته بالمسطرة، بل عرفته جاراً هادئاً رصيناً مُحبّاً لعمله، رزيناً يفلسف الخطأ إن وقع، ويجانب التفاخر والتعالي إن غلب الأيام ففاز أو انتصر بل أكثر من ذلك، كان يقيل عثرات الكرام، وبالنسبة لألبير، الكرام هم رئيس التحرير ومعاونيه الذين يفتشون عن الخبر في أضيق الزوايا وأغرب الخفايا، فتختلط الأوراق وتتشابك الأفكار ويعود للإداري النشيط والخبير بما يحيط، ان يعيد الأمور الى نصابها ليُعرف فيما بعد تطوّرها وانتظامها.
كان أصحاب الصحف في تلك الأيام الغابرة يعانون من ضآلة الموارد، فعمدوا في أغلب الحالات على معالجة الوضع بالاستغناء عن كل عمالة زائدة. والصحفي الناجح، في ذلك الوقت، هو من يتسقط الخبر ويقوم بصياغته وكتابته، ويصحّح بروڤاته وكلماته ولا يخلد الى النوم إلاّ والعدد الأول من الجريدة في يده، وليتابع في أحلامه ما أنجز في نهاره. لكن ذلك يبدو بعيداً عن تحقيق النجاح إذا لم يكن يصاحبه جيش من الاداريين يعتني بالبيع والتمويل، والمشتروات والمصاريف، فإذا بالفقيد يأخذ على عاتقه كل هذه المهمات يعاونه فريق صغير ويحقق في وقت قصير ما هو أكثر من المطلوب.
وأما عن استشراف المستقبل، ومعرفة الاحداث القادمة انطلاقاً مما نمتلك من معلومات فله في ذلك نصيب. أذكر يا صديقي كيف أكسبتني في بداية عملي بعد تخرّجي مباشرة أول عشرة آلاف ليرة لبنانية بأقل من ساعتين، عندما أعلمتني ان باخرة تحمل ورقاً للطباعة قد أفرغت حمولتها بطريق الخطأ على رصيف المرفأ، فإذا بالمطر يهطل مدراراً تلك الليلة، فتصبح الشحنة اهراماً من العجين لا تسر أصحابها والناظرين.
عُرضت البضاعة على الجميع فلم يتقدّم لشرائها أحد غيري، دفعت ثمنها وأنا أقرأ من الأدعية ما لم يحفظه غيري. لكن ما ان انتصف النهار وكشفت الشمس ما خبأته الاقدار، وأزيلت الطبقة الأولى عن لفائف الورق الهالك، حتى ظهر تحتها لفائف كاملة لم تصل إليها الماء وبقيت سليمة ناشفة. أعاد ألبير رأس المال، وفوقه عشرة آلاف من الليرات قال إنها نصيبي وحصتي من هذا البازار.
لا يزال في البال عشرات من هذه النوادر والحكايات، أخفى تقدّم العمر أغلبها، واختار الموت جواهرها. لم تكن أميراً يتسابق على الكتابة عنك الكُتّاب والشعراء، ولا رئيساً تنهال منهم أجمل العبارات، بل رجلاً نشيطاً عمل وكافح، فما مددت يداً لتأخذ بل أعطيت اليدين لتعطي.
The post ألبير فريحة حملت همومنا ورحلت appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.


