Reading in العربية (Arabic) | Read in English
من بين كل المفارقات التي أنتجتها الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية، ربما لا توجد مفارقة أكبر من مؤسسة يفترض أنها تمثل سلطة تشريعية كاملة، بينما يدور جزء كبير من وزنها السياسي حول شخص واحد.
هنا لا يتعلق الأمر بحب عقيلة صالح أو كرهه، ولا بالدفاع عنه أو مهاجمته، بل بحقيقة سياسية يصعب تجاهلها: فالرجل نجح، أو سمحت له الظروف، بأن يصبح الوجه الأبرز لمجلس النواب، حتى بات السؤال عن مستقبل البرلمان مرتبطًا بمستقبل رئيسه أكثر من ارتباطه بالمؤسسة نفسها.
ولهذا، فإن غياب عقيلة صالح عن المشهد، لأي سبب كان، سيطرح سؤالًا محرجًا قبل أن يكون سؤالًا سياسيًا: هل بنى البرلمان الليبي مؤسسة قادرة على الاستمرار، أم أنه اكتفى طوال السنوات الماضية بالاتكاء على نفوذ رجل واحد؟
لقد أمضت ليبيا أكثر من عقد وهي تدور في الحلقة نفسها؛ أجسام سياسية تتمدد خارج آجالها القانونية، ونخب تتحدث عن التداول السياسي بينما تتمسك بمقاعدها، ومؤسسات تدعو إلى بناء الدولة لكنها تفشل في تجديد نفسها. وفي قلب هذه المعادلة بقي عقيلة صالح حاضرًا، ليس فقط كرئيس للبرلمان، بل كأحد أبرز رموز مرحلة كاملة من الجمود السياسي.
قد يقول أنصاره إنه حافظ على المؤسسة التشريعية من الانهيار، وقد يقول خصومه إنه كان جزءًا من الأزمة أكثر من كونه جزءًا من الحل. لكن الطرفين يتفقان على حقيقة واحدة: غيابه لن يكون حدثًا عاديًا.
السؤال الأخطر ليس من سيخلف عقيلة صالح، بل لماذا لا يوجد حتى الآن خليفة واضح لعقيلة صالح؟
كيف لمؤسسة يفترض أنها تضم عشرات الشخصيات السياسية أن تعجز عن إنتاج قيادة بديلة تحظى بالثقل ذاته؟ وكيف يمكن الحديث عن دولة ومؤسسات بينما يبقى مصير مؤسسة كاملة مرتبطًا بحضور شخص واحد أو غيابه؟
هذه ليست مشكلة عقيلة صالح وحده، بل مشكلة النظام السياسي الليبي بأكمله؛ نظام أنتج شخصيات قوية ومؤسسات ضعيفة. وحين تكون المؤسسات أضعف من الأفراد، يصبح غياب أي شخصية نافذة مصدر قلق أكبر من غياب المؤسسة نفسها.
أما إقليميًا، فإن السؤال يزداد حساسية. فمصر، التي نسجت خلال السنوات الماضية علاقة وثيقة مع عقيلة صالح، قد تجد نفسها أمام واقع جديد. ليس لأن القاهرة ستفقد التواصل مع ليبيا، فالدول لا تبني سياساتها على الأشخاص وحدهم، بل لأنها قد تخسر شخصية كانت تمتلك قدرة استثنائية على فهم توازنات الشرق الليبي والتحرك داخلها.
لكن هل تملك مصر رجلًا آخر بوزن عقيلة صالح؟
ربما يوجد من يملك النفوذ، وربما يوجد من يملك المنصب، وربما يوجد من يملك الدعم. لكن جمع هذه العناصر في شخصية واحدة ليس أمرًا سهلًا. فالمكانة السياسية لا تُمنح بقرار، بل تُبنى عبر سنوات من الحضور والصراع والعلاقات والتجارب.
ومع ذلك، فإن السؤال الأهم قد يكون مختلفًا تمامًا: هل المشكلة في غياب عقيلة صالح، أم في أن المشهد الليبي فشل طوال هذه السنوات في إنتاج جيل جديد من القيادات القادرة على الحلول مكانه؟
هنا تكمن الأزمة الحقيقية.
فإذا كان رحيل أي شخصية كفيلًا بإرباك مؤسسة كاملة، فإن الخلل لا يكمن في الغياب، بل في المؤسسة نفسها. وإذا كانت ليبيا تخشى الفراغ بعد أكثر من عقد من الزمن، فهذا يعني أن النخب السياسية كانت مشغولة بإدارة الأزمة أكثر من انشغالها ببناء البدائل.
قد يبقى عقيلة صالح في موقعه سنوات أخرى، وقد يغادر المشهد غدًا، لكن المعضلة الحقيقية ستبقى قائمة. فالأزمة ليست أزمة رجل، بل أزمة نظام سياسي لم ينجح بعد في الانتقال من مرحلة الأشخاص إلى مرحلة المؤسسات.
فالدول لا تُقاس بقوة رجالها، بل بقدرة مؤسساتها على الاستمرار بعد رحيلهم. أما حين يصبح مصير مؤسسة كاملة معلقًا بشخص واحد، فإن ذلك لا يعكس قوة ذلك الشخص بقدر ما يكشف هشاشة البنية السياسية التي تحيط به.
لقد منحت الأزمة الليبية بعض الشخصيات نفوذًا استثنائيًا، لكنها في المقابل حرمت البلاد من إنتاج قيادات جديدة قادرة على حمل المسؤولية وتجديد المشهد. وبينما استهلكت النخب وقتها في إدارة التوازنات والصراعات، تراجع الاستثمار في بناء المؤسسات وصناعة البدائل.
والأخطر من ذلك أن معظم الأجسام السياسية الليبية أصبحت مرتبطة بأسماء أكثر من ارتباطها بالوظائف التي أنشئت من أجلها. فبدل أن يسأل المواطن عن دور المؤسسة، أصبح يسأل عن الشخص الذي يديرها. وبدل أن تكون الشرعية مستمدة من القوانين واللوائح، بات جزء كبير منها مستمدًا من النفوذ الشخصي وشبكات العلاقات وموازين القوى.
هذه الظاهرة لا تخص مجلس النواب وحده، بل تكاد تكون سمة عامة للمشهد الليبي منذ سنوات. ولهذا فإن أي حديث عن الإصلاح السياسي الحقيقي يجب أن يبدأ من إعادة الاعتبار للمؤسسات، لا من البحث عن شخصيات جديدة لملء الفراغ.
وعندما يصل أي بلد إلى لحظة يخشى فيها من غياب مسؤول أكثر مما يخشى من ضعف مؤسساته، فهذه ليست علامة استقرار، بل جرس إنذار سياسي ينبغي التوقف أمامه طويلًا.
إن مستقبل مجلس النواب لن يتحدد فقط بمن يجلس على كرسي الرئاسة بعد عقيلة صالح، بل بمدى قدرة المؤسسة نفسها على إثبات أنها أكبر من رئيسها، وأنها قادرة على الاستمرار بقواعد الدولة لا بقوة الأفراد.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يقلق الليبيين ليس: ماذا سيحدث إذا غاب عقيلة صالح؟
بل: ماذا فعلت النخبة الليبية طوال هذه السنوات حتى لا يكون لديها البديل؟
فإذا كانت الإجابة أن البديل غير موجود، فإن الأزمة أعمق بكثير من مستقبل رئيس البرلمان. إنها أزمة طبقة سياسية كاملة أخفقت في إنتاج المستقبل، واكتفت بإدارة الحاضر وتأجيل الاستحقاقات وإعادة تدوير الوجوه نفسها في كل مرحلة جديدة.
وعندها يصبح غياب الأشخاص مجرد كاشف لحقيقة أكبر؛ حقيقة أن ليبيا، رغم كل ما مر عليها من مبادرات وتسويات وحوارات، لم تنجح بعد في بناء مؤسسات قادرة على تجديد نفسها من الداخل.
قد يختلف الليبيون حول عقيلة صالح، كما يختلفون حول كثير من الشخصيات السياسية الأخرى. لكن ما لا ينبغي الاختلاف حوله هو أن الدول لا تُبنى على الأفراد مهما بلغت أهميتهم، بل على مؤسسات تمتلك القدرة على البقاء والتجدد والاستمرار.
أما إذا بقيت المؤسسات مجرد ظلال لأشخاصها، فإن كل غياب سيتحول إلى أزمة، وكل انتقال للسلطة سيتحول إلى معركة، وسيبقى مستقبل الدولة معلقًا بمصير الرجال لا بقوة القوانين.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي الذي تواجهه ليبيا اليوم: ليس البحث عن خليفة لعقيلة صالح، بل البحث عن دولة لا عن رجل واحد حتي تستمر .

