كتب عوني الكعكي:
أتوقف اليوم، وأنا في العراق العظيم، ملبّياً دعوة الأخ الاستاذ مؤيّد اللامي نقيب الصحافيين العراقيين، ومشاركاً في احتفالات عيد الصحافة العراقية…
أتوقف أمام نهضة عمرانية كبرى، بَدَتْ معالمها من المطار وحتى مسافات بعيدة عنه، وأقارن بما كان عليه العراق الشقيق خلال مرحلة الاحتلال الأميركي… فأقول إنّ النفط قد يكون نعمة أو قد يكون نقمة؟
وهنا لا بدّ من التأكيد أولاً، ان البترول من الناحية الاستراتيجية كان سبباً رئيساً في جلب عداء الدول الكبرى للدول المصدّرة للبترول… فبالاضافة الى الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به دول هذه المنطقة، نجد أنّ الدول الصناعية الكبرى هي دول مستهلكة للبترول، وتحتاج الى النفط بشدّة لدوران عجلة الانتاج والتصنيع.
ومن المعلوم، ان هذه الدول تحتاج الى مصادر طاقة رخيصة… فإذا ما حاولت الدول المصدّرة للنفط، رفع أسعاره، لتواكب فقط ما تقوم به الدول الصناعية من رفع أسعار منتجاتها، نجد ان الدول الكبرى تغضب وتثير الحجج متهمة الدول المصدّرة بتهمٍ هي منها براء..
وأنتقل من هذه المقدمة لأستذكر زيارتي الى العراق في العام 1972… وأذكر ما حدث يومذاك، يوم شكّل تأميم النفط هناك… الهدف المركزي بين أهداف وقضايا الشعب الوطنية ما بعد ثورة عام 1958.
لقد أدرك النظام الحاكم للعراق بعد عام 1970، ما للواقع الاقتصادي من تأثير مباشر على استقرار النظام السياسي في البلد، ولذلك سعى بكل الوسائل الى محاولة ربط الاقتصاد العام للبلاد بالخطوات السياسية. وبما ان النفط كان المورد الرئيس لتمويل البلاد، فإنّ النظام أولاه أهمية كبيرة.
يومذاك (أقصد بعد تأميم النفط في العراق) قلت في نفسي: لن أبقى هناك، لأنّ العراق مقبل على أحداث خطيرة -ولا شك- نتيجة ما قام به من تأميم للنفط.
وأعود اليوم الى العراق، وأنا في بغداد أشارك في احتفالات عيد الصحافة العراقية، وبدعوة كريمة من نقيب الصحافيين العراقيين الاستاذ مؤيّد اللامي… هذه الدعوة التي لم تستثنِ بلداً من الدول العربية علماً أن فعاليات هذا الاحتفال تبدأ اليوم السبت.
إنّ هذا الانجاز الوطني الكبير الذي تحتفل به الصحافة العراقية وبذكرى انطلاقتها منذ ما يربو على الـ150 سنة… دليل على أهمية الصحافة المكتوبة والمقروءة، وأهمية الكلمة الحرّة الهادفة.
ومما يعطي أهمية كبرى لهذا الاحتفال، انه جاء في بلد عانى من الدمار والارهاب… واحتُلّ من قِبَل الولايات المتحدة الأميركية التي غزته لأسباب ثلاثة هي ادعت وجودها:
أولاً: وجود أسلحة دمار شامل.
ثانياً: القضاء على الارهاب الموجود في العراق.
ثالثاً: تحقيق الديموقراطية للشعب العراقي.
وبعد الغزو تبيّـن بطلان ما ادعته الولايات المتحدة: فلا أسلحة دمار شامل، والارهاب نما وتعزّز بعد الغزو، ولم تؤمّن أميركا الديموقراطية للشعب العراقي.
لقد بدا واضحاً كذب الولايات المتحدة… ومن أجل هذا فهم الشعب العراقي الصامد والعنيد اللعبة.
وأقارن اليوم وأنا في العراق، بين ما أراه اليوم وما رأيته وتخوّفت منه عام 1973، لأقول: إنّ الانسان المنتقل من المطار وفي مساحة تزيد على الخمسين كيلومتراً، يرى طرقات ومبانٍ فيظن نفسه أنه في ألمانيا.
وأعود الى قضية النفط… وهل هو نعمة أم نقمة؟ لأتذكر ما حدث للملك السعودي المرحوم فيصل، يوم قرّر الملك قطع النفط عن أميركا عام 1973، والتهديد العسكري الأميركي للمملكة العربية السعودية تعبيراً عن رفض أميركا للقرار.
وأتذكر المقابلة بين المرحوم الملك فيصل ووزير الخارجية الأميركي يومذاك هنري كيسنجر، وردّ السعودية باستعدادها لتفجير آبار نفطها.
ومن هنا أقول أيضاً: إنّ الشعب العراقي شعب عظيم وعريق، تُرْفَع له القبعات احتراماً وتقديراً… كما أقول أيضاً: إنّ صدّام حسين رغم أنه أخطأ… لكن العراق كان يعيش بسلام وطمأنينة افتقدهما العراق بعد الغزو الأميركي لأراضيه.
إنّ العراق والدول المجاورة له فقط، تستطيع تأمين احتياجات الولايات المتحدة التي لا يتمثّل هدفها الحيوي في التمكن من شراء النفط فحسب، وإنما أيضاً في الحصول عليه بأسعار منخفضة… ويقدّر العراق اليوم قيمة الاستثمارات اللازمة لتنمية قطاعه النفطي ورفع قدرته الإنتاجية الى ستة ملايين برميل يومياً بحوالى 30 مليار دولار.
باختصار، هذه الموارد بدأت تنعكس على إخراج العراق من عثراته بعد الغزو الأميركي… كما ظهرت من خلال ما أشرت إليه من طرقاتٍ ومبانٍ حديثة جداً… وقد كان النفط في أحايين كثيرة نقمة تسببت بحروب… لم يكن الغزو الأميركي للعراق أقلها خطورة.
The post الثروة النفطية… نعمة أم نقمة؟؟!! appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.


