Reading in العربية (Arabic) | Read in English
بالنسبة للجالية اللبنانية في أستراليا، هناك مناسبات تتجاوز كونها مجرد حفلات غنائية؛ فهي محطات يلتقي فيها أبناء الوطن، وتتجدد فيها مشاعر الانتماء، وتُستحضر فيها الهوية اللبنانية بكل تفاصيلها.
وكانت عودة النجمة اللبنانية نانسي عجرم إلى سيدني في 30 أيار واحدة من تلك المناسبات الاستثنائية.
فبعد عشرين عاماً على آخر حفل أحيته في المدينة، اعتلت إحدى أبرز نجمات الغناء العربي مسرح TikTok Entertainment Centre، حيث أحيت حفلاً ضخماً حضره ما يقارب تسعة آلاف شخص. وعلى امتداد الأمسية، تحوّل المكان إلى بحرٍ من اللبنانيين الذين تفاعلوا مع الأغاني التي رافقت ذكرياتهم، لتأخذهم، ولو لساعات قليلة، في رحلةٍ إلى لبنان.
وسرعان ما أدرك كل من حضر أن ما جرى لم يكن مجرد حفل موسيقي.
بل كان تجسيداً لصفةٍ لطالما ميّزت الجالية اللبنانية في أستراليا.
فعندما يكون الحدث لبنانياً، سواء كان فنياً أو ثقافياً أو تراثياً، لا يحتاج اللبنانيون إلى دعوات خاصة أو حملات تشجيع للحضور… فهم يكونون هناك تلقائياً.
من مختلف ضواحي سيدني، حضر أفراد العائلات والأصدقاء، واجتمعت أجيال متعددة تحت سقف واحد للاحتفال بإحدى أبرز سفيرات الفن اللبناني في العالم.
وكان من بين الحضور عدد كبير من أعضاء الاتحاد اللبناني الثقافي العالمي في أستراليا (ALCU)، ولا سيما من لجنة السيدات. والمفارقة الجميلة أن كثيرات منهن لم ينسقن للحضور معاً، بل اكتشفن وجود بعضهن البعض بشكل عفوي خلال الأمسية؛ فمنهن من التقت بزميلاتها في القطار أثناء التوجه إلى الحفل، وأخريات تصادفن في بهو المسرح، بينما تعرّف عدد منهن إلى وجوه مألوفة بعد دخول قاعة الحفل.

هذه اللقاءات العفوية لم تكن مجرد مصادفات، بل عكست شيئاً أعمق بكثير.
لقد أكدت قوة الترابط بين أبناء الجالية اللبنانية، الذين يجتمعون بصورة طبيعية كلما كان لبنان حاضراً بثقافته وفنه وتراثه.
وخلال الحفل، قدّمت نانسي عجرم باقة من أشهر أغانيها التي رافقت اللبنانيين على مدى أكثر من عقدين، فكان الجمهور يردد كلماتها عن ظهر قلب، في أجواء امتزج فيها الفرح بالحنين والفخر.
وبالنسبة لكثيرين، لم تكن تلك الأمسية مجرد حفل غنائي، بل كانت رحلة عودة إلى الوطن… ليس بالطائرة، بل بالموسيقى.
ولساعات قليلة، بدا وكأن سيدني أصبحت أقرب إلى بيروت.
وتؤكد مناسبات كهذه أن اللبنانيين في أستراليا، رغم نجاحهم واستقرارهم وبنائهم حياة جديدة، ما زال ارتباطهم العاطفي بلبنان راسخاً لا يتغير.
ويؤمن الاتحاد اللبناني الثقافي العالمي في أستراليا بأهمية دعم الفعاليات الفنية والثقافية اللبنانية، لما لها من دور أساسي في توثيق الروابط بين أبناء الجالية، والمحافظة على الهوية الثقافية، ونقلها من جيل إلى آخر. فالموسيقى، والمسرح، والمهرجانات، والأدب، والفنون، جميعها تشكل جسوراً تربط اللبنانيين بوطنهم مهما ابتعدت المسافات.
لذلك، لم تكن عودة نانسي عجرم المنتظرة إلى سيدني مجرد حفلٍ جماهيري ناجح.
بل كانت احتفالاً بالهوية اللبنانية.
واحتفالاً بالذكريات المشتركة.
وقبل كل شيء، كانت رسالة تؤكد أن اللبنانيين، أينما وجدوا حول العالم، يجتمعون دائماً عندما يكون لبنان حاضراً… بقلبٍ واحد، ويدٍ واحدة.


