السعودية لا تقود محورًا إسلاميًا… بل تعيد ترتيب الإقليم بالقوة الهادئة
Spread the love

ثمّة قراءة آخذة في الانتشار ترى أن السعودية على أعتاب تحوّل استراتيجي جذري، تعيد من خلاله بناء تحالفاتها في العالم العربي والإسلامي، واضعة التيارات الإسلامية – من الإخوان إلى حزب الله – في قلب معادلة جديدة، مستندة إلى التقارب مع إيران، والعلاقات المتقدمة مع تركيا وباكستان، وما جرى في اليمن والمكلا تحديدًا. غير أن هذه القراءة، على جاذبيتها السياسية، تنطوي على قدر كبير من التبسيط وسوء تقدير لطبيعة التحول السعودي الحقيقي.

السعودية لا تعود إلى “قيادة العالم الإسلامي” بالمعنى الأيديولوجي، ولا تبني محورًا عقائديًا جامعًا، بل تفعل شيئًا أكثر براغماتية وأقل رومانسية: تعيد ترتيب الإقليم بما يخدم أمنها القومي ومشروعها الداخلي، وتفكك ببطء بنية الاستقطاب التي استنزفتها طوال العقد الماضي.

التقارب مع إيران لا يعني مصالحة تاريخية ولا تحالفًا استراتيجيًا، بل اعترافًا متبادلًا بحدود القوة. الرياض لم تنتقل من موقع الخصومة إلى موقع الشراكة، وإنما إلى موقع إدارة الخصم. الهدف ليس دمج إيران في منظومة عربية أو إسلامية، بل تحييدها مؤقتًا، وتجميد ساحات الاشتباك المفتوحة، وعلى رأسها اليمن. من يظن أن هذا المسار يفتح الباب لتحالف سعودي مع حزب الله، يتجاهل أن جوهر السياسة السعودية يقوم على تفكيك منطق الميليشيا، لا التعايش معه.

أما الحديث عن احتضان الإسلام السياسي، فهو إسقاط لرغبات البعض على واقع مختلف تمامًا. السعودية قد تخلّت عن معارك الاستئصال، لكنها لم تتبنَّ مشروع الإدماج. الفرق شاسع بين أن تكفّ عن العداء المباشر، وبين أن تجعل من هذه التيارات ركيزة لتحالف إقليمي. الرياض لا ترى في الإخوان أو غيرهم شركاء استقرار، بل فاعلين يمكن تحييدهم أو احتواؤهم ظرفيًا عند الضرورة، دون منحهم شرعية أو دورًا عابرًا للحدود.

ما جرى في اليمن، بما في ذلك ما يُتداول عن المكلا، لا يشير إلى ولادة محور جديد، بل إلى نهاية مرحلة. السعودية قررت أن زمن ترك الساحات الحيوية لحلفاء يتصرفون باستقلالية قد انتهى. الرسالة هنا ليست أيديولوجية، بل سيادية: اليمن ليس مساحة مفتوحة لتجارب الآخرين، ولا ورقة ضغط بيد قوى إقليمية مهما كانت قريبة. هذا ليس إعلان حرب على الإمارات، بل إعادة تعريف لشروط الشراكة معها.

من الخطأ الجسيم قراءة التنافس السعودي–الإماراتي بوصفه انقسامًا وجوديًا. ما نشهده هو صراع مصالح داخل معسكر واحد، لا انقسام معسكرين. السعودية لا تسعى إلى كسر أبوظبي، ولا إلى استبدالها بمحور إسلامي بديل، بل إلى منعها من لعب أدوار تتعارض مع أولويات الأمن السعودي. الصدام هنا محكوم بسقف، لأنه ببساطة لا يحتمل الانفلات.

أما الرهان على أن السعودية ستُنهي خلال عام واحد أزمات السودان وليبيا ولبنان، فهو أقرب إلى الوهم السياسي. الرياض لا تمتلك، ولا تريد أن تمتلك، مفاتيح إعادة بناء هذه الدول. ما تريده هو منع انهيارها الكامل، ومنع تحوّلها إلى منصات تهديد مباشر. إدارة الفوضى باتت هدفًا بحد ذاته، لا تمهيدًا لحل شامل.

جوهر التحول السعودي خلال الاثني عشر شهرًا القادمة لا يكمن في تغيير الحلفاء بقدر ما يكمن في تغيير طريقة إدارة الصراع. من سياسة ردود الفعل إلى سياسة التحكم في الإيقاع، ومن الاستنزاف المفتوح إلى التهدئة المشروطة. السعودية لم تعد تريد أن تكون رأس حربة في كل معركة، بل مركز ثقل يفرض توازنات ويترك الآخرين يتصادمون عند الهوامش.

الخطأ الأكبر في الخطاب الدارج هو افتراض أن السعودية تتحرك بدافع أيديولوجي، بينما هي في الحقيقة تتحرك بدافع الدولة. لا مشروع أممي، ولا حلم بقيادة الإسلام السياسي، ولا نية لتوحيد التيارات المتناقضة تحت راية واحدة. هناك دولة كبيرة، أنهكها عقد من الصراعات، قررت أن تعيد ترتيب محيطها الإقليمي بأقل كلفة ممكنة، وبأقصى قدر من البراغماتية.

من يفهم هذا التحول على حقيقته يدرك أن السعودية لا تعود إلى الماضي، بل تغادره. لا تبحث عن حلفاء جدد بقدر ما تبحث عن خصوم أقل، ولا تريد انتصارًا مدويًا بقدر ما تريد استقرارًا قابلًا للإدارة. هذه ليست ثورة في التحالفات، بل نهاية مرحلة من الفوضى، وبداية سياسة أكثر برودة… وأكثر خطورة على من لا يقرأها جيدًا.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات