السودان على مفترق طرق: التقارب المصري التركي والسعودية أمام اختبار إنهاء الحرب”
Spread the love

تشهد المنطقة واحدة من أكثر التحولات الجيوسياسية حساسية منذ عقد كامل مع تنامي التقارب المصري التركي، وهو تقارب لم يعد محصوراً في ترتيبات ثنائية بقدر ما بات مؤشراً إلى إعادة معايرة ميزان القوى في شرق المتوسط والبحر الأحمر والسودان. وتأتي هذه الديناميكية في لحظة إقليمية حادة تتعاظم فيها تداعيات الحرب السودانية التي تفجّرت منذ إبريل 2023، وتحوّلت من صراع داخلي إلى سباق نفوذ إقليمي، اختلطت فيه الحسابات العسكرية بالاقتصادية، وتقاطعت فيه مصالح أطراف عربية ودولية تمتد شبكاتها من الموانئ إلى الذهب والحدود الصحراوية.

يملك التقارب المصري التركي تأثيراً مباشراً على مسار الحرب في السودان، إذ تجمع الدولتين شبكة مصالح وأدوات ضغط مختلفة لكنها متكاملة: القاهرة تنظر إلى السودان باعتباره عمقها الاستراتيجي ومكوّناً من مكونات أمنها القومي، سواء عبر ملف سد النهضة أو الحدود الممتدة أو شبكة الروابط الاجتماعية والاقتصادية التاريخية. فيما تمتلك أنقرة قدرة على توظيف علاقاتها السابقة مع القوى السياسية والعسكرية السودانية، إضافة إلى حضورها في البحر الأحمر واستثماراتها الاقتصادية، ما يجعلها لاعباً مقبولاً من أطراف عديدة قد ترفض وساطات أخرى.

هذا التلاقي لا يعني توافقاً تاماً، لكنه ينتج مساحة مشتركة تُعيد موضعة الملف السوداني بعيداً عن التنافس الإقليمي الذي غذّى الصراع. وإذا تمكنت القاهرة وأنقرة من تحويل هذا التقارب إلى آلية مشتركة للضغط على طرفي النزاع، فقد يشهد المشهد السوداني تحولاً نوعياً يدفع نحو وقف إطلاق النار أو على الأقل احتواء تمدد الحرب إلى مناطق جديدة.

غير أن هذا المسار، رغم أهميته، يظل محدود الأثر من دون دخول السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي. فالمملكة باتت القوة الإقليمية الأكثر قدرة على فرض توازن جديد في السودان، ليس فقط عبر قيادتها لمفاوضات جدة، بل أيضاً عبر موقعها المحوري في أمن البحر الأحمر وشراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وتمتلك الرياض القدرة على فرض خطوط حمراء تتعلق بالتهريب، وبشبكات الإمداد الخارجي، وبالتمويل غير الشرعي الذي يغذي الحرب، إضافة إلى ما تملكه من تأثير مباشر على الأطراف العربية المنخرطة في الصراع.

السعودية اليوم هي الدولة الوحيدة في الإقليم القادرة على لعب دور “الحَكم النهائي” في إعادة ضبط قواعد الاشتباك السودانية. وهذا الدور يكتسب أهمية خاصة في ظل الاتهامات الدولية المتصاعدة بشأن تدخلات إماراتية دعمَت أطرافاً مسلحة في السودان وفي مناطق أخرى من إفريقيا، الأمر الذي ساهم في توسيع رقعة الصراع وتكريس اقتصاد الحرب. ومع تزايد الضغوط الغربية، لا سيما الأميركية، باتت البيئة الدولية أكثر استعداداً لدعم دور سعودي يحدّ من المغامرات التي فجّرت هشاشة الإقليم.

ومع ذلك، فإن قدرة التقارب المصري التركي، والدور السعودي الحاسم، على إنهاء الحرب تبقى رهناً بالمعادلة الميدانية المعقدة داخل السودان. فالقوى المسلحة رسّخت وجودها في دوائر نفوذ اجتماعية وجغرافية، وشكّلت شبكات تمويل ذاتية عبر الذهب والتهريب والحدود، ما يجعل وقف الحرب أكثر صعوبة من مجرد تفاهمات سياسية. لكن ما يمكن أن ينجزه هذا المحور الإقليمي الجديد هو إعادة رفع كلفة استمرار القتال، وتقليص الهامش الذي تحركت فيه القوى الخارجية خلال العامين الماضيين.

و اللحظة الراهنة تحمل فرصة  وإن كانت ضيقة  لمنع انزلاق السودان نحو النموذج الصومالي أو السيناريو الليبي في أسوأ أحواله. التقارب المصري–التركي يوفر مظلة سياسية جديدة، والدور السعودي يملك القدرة على فرض الانضباط الإقليمي، والمناخ الدولي بات أكثر حساسية تجاه أي تهديد لممرات البحر الأحمر. وإذا تمكنت هذه القوى من بلورة مقاربة موحدة تضغط على الأطراف السودانية لوقف الحرب، فقد يشهد الإقليم بداية مسار إعادة بناء الدولة بدلاً من تكريس اقتصاد السلاح والميليشيات.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات