المحتل الفرنسي منذ دخوله إلى الجزائر سنة 1830, وجه كل إمكانياته ووسائله العسكرية والسياسية للقضاء على الهوية الوطنية, وذلك بضرب المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية الجزائرية واستهداف البنى التحتية وتفتيتها, وإصدار عدة مراسيم منها مرسوم سنة 1904, الذي يمنع فتح المدارس القرآنية, وقانون سنة 1938 الذي يمنع استعمال اللغة العربية, كما تم تطبيق تدريس تاريخ وجغرافيا فرنسا, وتشويه التاريخ الإسلامي والعبث به, ومحاربة القضاء الإسلامي وطمس معالم المدن وإطلاق مشروع التنصير, وغيره من الإجراءات الإدارية والعسكرية المساعدة على هذه الحملة الصليبية.
الفكر الباديسي فكر شامل دينيا وسياسيا وثقافيا بمفهومه الواسع, فقد حافظ على الهوية الوطنية والثقافية الجزائرية , كما ساهم في بعث نهضة علمية إصلاحية بأبعادها الحضارية العربية, بحيث تعدى الأفاق الفكرية الضيقة, وشجع على الانفتاح و تعلم كل العلوم وما يدور في فلكها من مسببات, والأخذ بكل ما يتاح من وسائل مساعدة على الإطلاع وتعلم التكنولوجيا وإتقان اللغات, وهذا من أجل مواجهة المد الاستعماري الفرنسي الصليبي, الموجه أساسا للقضاء على الدين الإسلامي, وقد قال رحمه الله “إن الكمال الإنساني متوقف على قوة العلم، وقوة الإدارة، وقوة العمل، فهي أسمى الخلق الكريم والسلوك الحميد”’ فقوة العلم هنا هي تعدي حواجز الظرفية المكانية واستنهاض الهمم والارادة القوية والإصرار على التعلم, لأنه كفيل بكبح المخططات الاستعمارية الممنهجة لتنصير الشعب الجزائري, فقد رأى الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله أن مفاتيح التطور بيد المستعمر وحلفائه, ولذلك شجع على الانفتاح العلمي وتعلم اللغات الأجنبية.
يقول إبن باديس رحمه الله “حياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها مبنية على هذه الأركان الثلاثة، الإرادة، الفكر، العمل، وهذه الثلاثة متوقفة على ثلاثة أخرى لا بدَّ للإنسان منها، فالعمل متوقف على البدن، والفكر متوقف على العقل، والإرادة متوقفة على الخلق، فالتفكير الصحيح والإرادة القوية من الخلق المتين، والعمل المفيد من البدن السليم، فلهذا كان الإنسان مأموراً بالمحافظة على هذه الثلاثة؛ عقله وخلقه ودينه ودفع المضار عنها، فيثقف عقله بالعلم، ويقوِّم أخلاقه بالسلوك النبوي، ويقوي بدنه بتنظيم الغذاء وتوقي الأذى والتريض على العمل”.
إن الفكر الباديسي يهدف أساسا إلى بناء الشخصية الوطنية الجزائرية بأبعادها الإسلامية المتكاملة وما يتضمنه المفهوم القرآني الشامل, وقد قال رحمه الله “إنَّ كل ما نأخذه من الشريعة المطهرة علماً وعملاً، فإنما نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال في حياتنا الفردية والاجتماعية. والمثال الكامل لذلك كله هو حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في سيرته الطيبة”, فالتكاملية هنا هي نظرة فلسفية بمعايير فكرية إصلاحية حضارية ذات نظرة متفتحة, تهدف لخلق منهجية وقائية مواكبة لما يقتضيه الظرف وتستدعيه الحاجة ويتطلبه الميدان, فالرجل عاش للجزائر ومات وقلبه ينبض بحبها, فقد سعى جاهدا مجاهدا بفكره الديني الثوري السياسي الإصلاحي لمحاربة المستعمر والتصدي لمخططاته, فقد كان زعيم حركة الإصلاح الإسلامي في الجزائر بامتياز, دعا سنة 1936 لعقد مؤتمر إسلامي في الجزائر, للتصدي لفكر الاندماج مع فرنسا, وهذا يعتبر عمل جبار جاء في وقته افسد مخططا فكريا مسموما, كما شارك ضمن وفد المؤتمر الإسلامي الذي أنعقد بفرنسا شهر جويلية من سنة 1936, وفي شهر أوت من سنة 1937 دعا النواب لمقاطعة المجالس النيابية, كذلك دعا إلى مقاطعة الاحتفالات الفرنسية بعد مرور قرن على احتلال الجزائر.
ومن الأحداث التاريخية التي تبقى على الأصالة الجزائرية وتمسكها بدينها, أنه سنة 1930 أقامت فرنسا احتفالا كبيرا بمناسبة مرور 100 سنة على احتلالها للجزائر، بحيث حضر هذا الاحتفال قادتها و كبار ضباطها و بعض الشخصيات الأوروبية, وأطلقت على هذا الاحتفال ” جنازة الإسلام” لتعلن للعالم بأسره بأن الشعب الجزائري أصبح قابلا للاندماج في المجتمع الفرنسي, فقامت بجلب نساء جزائريات، للمشاركة في هذا الاحتفال بعد أن تم تدجينهن من طرف”لاكوست” رجل الدين المسيحي الذي تكفل بالعمل على تنصيرهن, ومن بين الحضور وفد إعلامي فرنسي جاء خصيصا لتوثيق هذا الاحتفال التاريخي.
وبدأ الحفل المنتظر الذي يمهد لجعل الجزائر مقاطعة فرنسية, ورفعت الستائر، لتخرج النساء الجزائريات، باللباس الجزائري التقليدي “السفساري أو الحايك” وهنا وقعت الصدمة على منظمي هذا الاحتفال, الذي جاء مخالفا لما كانوا يسعون لأجله وهو تجريد النساء الجزائريات من لباس العفة والطهارة وخروجهن كاسيات عاريات, لقد خاب سعي فرنسا وخابت سياستها, وبدوره خرج الإعلام الفرنسي متسائلا: ماذا كانت تفعل فرنسا طيلة مئة سنة في الجزائر؟ فرد لاكوست في مقولته الشهيرة “وماذا أفعل إذا كان القرآن أقوى من فرنسا”.


