لم يكن حفل جوائز الكاف لعام 2025 مجرد مناسبة رياضية تُعلن فيها أسماء الفائزين.
كان أقرب إلى سهرة ثقافية كبرى، أو عرض هوية، أو لحظة كشفت فيها الرباط تلك القدرة العجيبة على تحويل الفضاء الرياضي إلى مسرح تُستعاد فيه ذاكرة المغرب كلها: روائح المدن القديمة، أنفاس الحرفيين، تطريز الأمهات، ظلال السلاطين، ودفء البيوت التي لم تغادرها الحكايات.
في ليلة واحدة، صعد ثلاثة مغاربة إلى قلب المشهد:
أشرف حكيمي بسلهامه، غزلان شباك بقفطانها، ووالدة حكيمي بقفطانٍ آخر أعاد ترتيب معنى الفخر.
لم يكن الأمر زينة… بل خطاباً بصرياً عميقاً قالت فيه الرباط للقارة:
هكذا نحتفل… وهكذا ننتمي.
أشرف حكيمي… لاعبٌ يدخل المنصة بثقافته قبل اسمه
حين ظهر حكيمي على السجاد الأحمر، لاحظ الجمهور قبل إصابته، قبل الجائزة، قبل اسمه… السلهام الأسود الذي ينسدل على كتفيه كأنه امتداد لبلد بأكمله.
السلهام ليس موضة في المغرب، بل ذاكرة. قطعةٌ تخرج من تاريخ طويل، من ليالٍ كان فيها الرجال يختفون داخل البياض السميك لحماية أنفسهم من برد الأطلس، ومن سرديات تنتقل بين القبائل بصوت الحكّائين.
ولذلك، لم يكن ظهور حكيمي بالسلهام “إكسسواراً” لليلة الجوائز، بل كان إعلاناً هادئاً أن اللاعب الذي يتصدر أوروبا… يعود إلى جذره حين يظهر في إفريقيا.
“لم يكن حكيمي يبحث عن منصة ليتوّج عليها… كان يبحث عن طريق يصنعه، حتى وجدت إفريقيا نفسها تمنحه منصتها العليا.”
أم حكيمي… اللحظة التي انحنت فيها الجائزة أمام الأم
وعلى السجاد الأحمر، حدث المشهد الذي لن تنساه إفريقيا بسهولة:
أشرف حكيمي “أفضل لاعب في القارة” ينحني ليقبّل رأس أمّه، تلك المرأة التي وقفت خلفه مثل ظلّ لا يغادره.
كانت ترتدي قفطاناً مغربياً محبوكاً بيدٍ تُشبه يدها: صبورة، حنونة، وقادرة على حمل تاريخ عائلة بأكملها.

في تلك اللحظة، بدا الحفل وكأنه يتوقف. لم يعد هناك جمهور، ولا عدسات، ولا ضوء، كان هناك مشهد يعيد تعريف معنى النجاح.
قفطانها لم يكن “زي أمّ لاعب” كان قصة.
قصة النساء المغربيات اللاتي صنعن أجيالاً من دون أن يظهرن، اللواتي اعتبرن التضحية جزءاً طبيعياً من الحياة، واللواتي قدّمن أبناءهن للعالم دون أن يتخلّين عن تقاليدهن لحظة واحدة.
قفطانها المشرّب بلمعة هادئة كان أكثر من زي…
كان إعلاناً صامتاً يقول:
“ها هو اللاعب العالمي… وها هي الجذور التي ربّته.”
وبدت اللحظة كأنها تقول إن النجاح ليس صورة لاعب يرفع جائزة،
بل صورة عائلة، وأمّ، وثقافة كاملة تقف خلف اسم يلمع على المنصات.
لم يكن حكيمي يقبّل رأس والدته فقط…
كان يقبّل الطريق كله:
الأيام التي كانت تحمله إلى التدريبات، الليالي التي كانت تهيّئ له مستقبلاً لم يكن يعرفه بعد، والصلابة التي ورثها عنها قبل أي مدرب أو نادٍ.
وتلك القبلة، على بساطها الأحمر، كانت أجمل جملة في حفلٍ امتلأ بالخطابات.
غزلان شباك… القفطان الذي يمشي على منصة إفريقيا
ثم جاءت غزلان شباك بقفطانٍ آخر، ملكيّ، مُطرّز بخيوط دقيقة تشبه صبر مسيرتها.

لم تدخل القاعة كلاعبة فازت بجائزة… بل كوجه لنهضة كرة القدم النسائية في المغرب.
قفطانها بدا كأنه استعارة كاملة لمسيرتها: ثقيل بما يكفي ليحمل إرثاً، وجميل بما يكفي ليعلن انتصاراً.
“كانت شباك تلعب الكرة في زمن لا يسمع فيه أحد صوت اللاعبات… واليوم، أصبح صوتها جائزة تتردد في كل القارة.”

لم يكن أي مشهد في تلك الليلة أقوى من مشهد امرأة تقود تاريخاً جديداً، تقف في منصةٍ كانت حكراً على الرجال لعقود.
حين تصبح الأزياء خطاباً… والمغرب مركز المشهد
الكاف، بما يحمله من بروتوكولات إفريقية رصينة، بدا وكأنه يلين أمام هذا الحضور المغربي الضاغط.
لم يكن الحفل احتفالاً بالمواهب فقط، بل بالانتماء.
السلهام فوق كتف لاعب عالمي.
قفطان فوق كتف لاعبة قائدة.
وقفطان آخر فوق كتف أمّ صنعت ما لا تصنعه الأكاديميات.
كانت الرباط طوال السهرة تقول:
هنا، لا نرتدي الملابس… نحن نرتدي التاريخ.
ما وراء الجوائز… المغرب يعيد صياغة صورة إفريقيا
ما حدث في تلك الليلة ليس حدثاً بصرياً فحسب.
إنه إعادة تعريف للمشهد الإفريقي:
أن اللاعب الإفريقي يمكن أن يكون عالمياً دون أن يخفي جذوره.
أن المرأة الإفريقية يمكن أن تقف في أعلى المنصات بقفطانها، بثقافتها، بقوتها.
أن العائلة، والهوية، والتفاصيل الصغيرة يمكن أن تصبح جزءاً من الحكاية الكبرى.
وهكذا، خرجت إفريقيا من حفل الرباط وهي تحمل شيئاً جديداً:
إحساس بأن كرة القدم ليست مجرد ملعب، بل مرآة.
والمغرب… قدّم لهذه المرآة صورةً لم يسبق لها مثيل.


