Reading in العربية (Arabic) | Read in English
خرج المنتخب المغربي منتصرا على هايتي بأربعة أهداف مقابل هدفين، نتيجة قد تبدو للوهلة الأولى تأكيدا جديدا على قوة المنتخب في هذه النسخة من كأس العالم، لكن اختزال تسعين دقيقة كاملة في رقم على لوحة النتيجة سيكون قراءة سطحية لمباراة حملت رسائل أعمق بكثير مما توحي به الأهداف الأربعة.

منذ الدقائق الأولى، بدا المشهد مختلفا عما توقعه كثيرون. منتخب هايتي، الذي دخل المباراة بعقلية لا تملك ما تخسره، باغت الدفاع المغربي بهدف مبكر أربك الحسابات وأحدث ما يشبه الصدمة داخل اللقاء. لم يكن الهدف مجرد تقدم عابر، بل كان تذكيرا مباشرا بأن كرة القدم لا تحفظ التاريخ، ولا تمنح الأفضلية لأنك صنعت إنجازا في الأمس.
في البطولات الكبرى، السمعة لا تلعب… وحده التركيز يفعل.
ردة فعل المغرب جاءت سريعة عبر أشرف حكيمي، لاعب بات يجسد في السنوات الأخيرة شخصية هذا المنتخب. هدف التعادل لم يكن مهما لأنه أعاد التوازن فقط، بل لأنه أوقف لحظة الشك مبكرا وأعاد للمغرب إيقاعه الطبيعي، وكأن الرسالة كانت واضحة: هذا المنتخب تعلم كيف ينهض سريعا حين يتعثر.

ثم جاء الدور على عبد الحميد صابيري، الاسم الذي يواصل فرض نفسه كأحد أكثر اللاعبين حسما في هذه البطولة. هدفه الثاني لم يكن مجرد إضافة رقمية، بل استمرار لقصة لاعب يثبت مباراة بعد أخرى أن الهداف الحقيقي ليس من يسجل كثيرا فقط، بل من يعرف التوقيت المثالي للظهور.
لكن ربما أجمل ما فعلته هايتي في هذه المباراة أنها رفضت الاستسلام لدور المنافس الصغير. العودة بهدف ثان لم تعقد النتيجة فقط، بل وضعت المنتخب المغربي أمام اختبار نفسي أكثر من كونه اختبارا تكتيكيا.
وهنا تحديدا تكمن قيمة هذه المباراة.
المنتخبات التي تحلم بالكأس لا تختبر فقط أمام الكبار، بل تختبر أيضا في قدرتها على التعامل مع المباريات التي يعتقد الجميع أنها محسومة مسبقا. لأن الثقة حين تتجاوز حدودها الطبيعية، تتحول إلى أخطر خصم يمكن أن يواجه أي فريق مرشح للذهاب بعيدا.
في الشوط الثاني، ظهر سفيان رحيمي في التوقيت الذي كانت الجماهير تنتظره. هدف ثالث أعاد الهدوء إلى المدرجات، وأعاد معه ذلك الشعور الذي افتقده الجمهور للحظات. كانت لحظة بدا فيها وكأن المنتخب يستعيد صورته الحقيقية، تلك الصورة التي يعرفها المغاربة جيدا عندما يبدأ الإيقاع الجماعي في فرض نفسه من جديد.

ثم جاء الهدف الرابع، لكنه حمل رمزية مختلفة تماما عن بقية الأهداف. لاعب في العشرين من عمره، يخوض أول كأس عالم في مسيرته، ويوقع أول أهدافه على هذا المسرح العالمي. مشهد قد يبدو عاديا للبعض، لكنه في الحقيقة يقدم صورة واضحة عن المشروع الذي يبنى داخل الكرة المغربية اليوم.
المغرب لم يعد منتخبا يعيش على لحظة إنجاز أو جيل استثنائي عابر.
المغرب بدأ يصنع استمرارية.
جيل يسلم الطموح لجيل آخر، وثقافة كروية بدأت تتحول تدريجيا من حلم التأهل المشرف… إلى عقلية تؤمن أن مكانها الطبيعي بات بين المنتخبات التي تنافس على اللقب.
نعم، فاز المغرب وربح ثلاث نقاط جديدة.
لكن المكسب الحقيقي في هذه المباراة لم يكن الأهداف الأربعة، ولا حتى ضمان الاستمرار بثقة أكبر.
المكسب الحقيقي أن المنتخب تلقى هزة صغيرة في التوقيت المثالي… هزة ذكرته بحقيقة يعرفها الأبطال دائما:
الطريق نحو الكأس لا يحتاج فقط إلى الموهبة.
بل إلى احترام كل مباراة، وكأن التاريخ يبدأ من جديد مع صافرة البداية.




