
بقلم خيرالله خيرالله
تظهر الآن في بريطانيا نتائج الخروج من الإتحاد الأوروبي إثر استفتاء شعبي أُجري في حزيران (يونيو) من العام 2016. لن يصنع ريشي سوناك (42 عاما)، وهو اوّل رئيس للوزراء في بريطانيا من اصل هندي، أي فارق. لا لشيء سوى لأنّه لن يذهب إلى جذور الأزمة البريطانيّة، أي إلى «بريكسيت».
مطلع العام 2020، بدأ التنفيذ الفعلي لعملية الخروج البريطاني في عهد حكومة بوريس جونسون. كان جونسون أحد المحرضين على إعتماد «بريكسيت» بعدما ذهب معظم المواطنين البريطانيين إلى صناديق الإقتراع في ظلّ شعارات مضحكة لا علاقة لها بالواقع والحقيقة. كانت شعارات انطلت على البسطاء من نوع ان بريطانيا استعادت «الحرّية» و»الاستقلال».
يتبيّن حاليا أن الإستفتاء ونتائجه الكارثيّة جسّدا سقوطا آخر لدولة محتارة بنفسها لم تدرك بعد الحرب العالمية الثانية انّها لم تعد قوّة عظمى في هذا العالم.
مع آضطرار ليز تراس إلى الإستقالة من موقع رئيس الوزراء الذي أمضت فيه 44 يوما، يبدو أنّ بريطانيا تسير في اتجاه المجهول. تكفي استعادة التاريخ السياسي لبوريس جونسون الذي سعى إلى العودة إلى موقع رئيس الوزراء، قبل اعلان انسحابه من المنافسة للتأكد من ذلك.
كلّ ما كان يمتلكه بوريس جونسون هو نوع معيّن من الذكاء الذي افتفدته ليز تراس. ذكاء أقرب إلى التذاكي. يسمح له هذا النوع من الذكاء بممارسة الانتهازية. تبقى الانتهازية اللعبة المفضلة لدى ابن مدلّل لعائلة ميسورة من اصل تركي أرسلت ابنها الى احدى افضل المدارس (ايتون) واحدى افضل الجامعات (اوكسفورد). لا شكّ ان الانتهازية تحتاج الى ذكاء ما. لكنّ الامر الذي لا شك فيه أيضا انّ الانتهازية لا تصنع من ايّ شخص ما سياسيا كبيرا يدخل التاريخ من ابوابه الواسعة كما دخل ونستون تشرشل او مارغريت تاتشر.
خرج بوريس جونسون من السباق، كونه لا يمتلك أي استراتيجية سياسية محدّدة، كما كانت الحال مع مارغريت تاتشر، مؤسسة بريطانيا الحديثة. هذا لا يمنع الاعتراف بان لدى بوريس جونسون معرفة دقيقة لكيفية استغلال الفرص عن طريق ركوب الموجة الشعبية في لحظة معيّنة. ما ينطبق على جونسون ينطبق أيضا على ريشي سوناك ( من أصول هنديّة يتمتع بثروة كبيرة)، الذي بات في موقع رئيس الوزراء خلفا لليز تراس.
تتجاوز الأزمة البريطانية شخصا مثل بوريس جونسون أو ريشي سوناك سوناك اللذين ركبا موجة «بريكسيت»، أي الخروج من الاتحاد الاوروبي واستغلا لاحقا خطأ ديفيد كاميرون الذي لم تحسن حكومته تسويق فكرة البقاء في الاتحاد الاوروبي عندما حدّدت موعدا لاستفتاء شعبي في حزيران – يونيو من العام 2016. اضطر كاميرون الى الاستقالة وخلفته تيريزا ماي التي لم تكن تمتلك ايّ مؤهلات قيادية تسمح لها بتسيير مرحلة ما بعد الاستفتاء وكيفية الخروج من الاتحاد الاوروبي.
مساء الواحد والثلاثين من كانون الثاني – يناير 2020، خرجت بريطانيا، رسميا، من الاتحاد الاوروبي. الحدث تاريخي بكل المقاييس. انّها المرّة الاولى التي تخرج دولة من الاتحاد الاوروبي منذ قيام الاتحاد الذي بات الآن يضمّ 27 عضوا بدل 28. بعد اربع سنوات على خروج بريطانيا، ليس واضحا ما الذي ستكون عليه علاقات المملكة المتحدة باوروبا مستقبلا.
أجلت جائحة «كوفيد – 19» ظهور نتائج كارثة «بريكسيت». كذلك الحرب الأوكرانيّة. كلّ ما في الأمر، أن بريطانيا وجدت نفسها مع إضطرار ليز تراس إلى الإستقالة في وضع لا تحسد عليه، سياسيّا وإقتصاديّا، على كلّ المستويات. يأتي ذلك في غياب سياسيين قادرين على مواجهة الواقع والحقيقة بدل الهرب منهما.
مع خروج بريطانيا، أو المملكة المتحدة، من الاتحاد الاوروبي بعدما بقيت فيه 47 عاما، ثمّة ملاحظتان تستأهلان التوقف عندهما. تتعلّق الاولى باصرار اسكتلندا على تنظيم استفتاء في شأن استقلالها وبقائها في الاتحاد الاوروبي. هذا ما اكّدته رئيسة الوزراء الاسكتلندية نيكولا ستيرجن مجدّدا. عادت ستيرجن، قبل أيّام، إلى تأكيد الرغبة في اجراء مثل هذا الاستفتاء. ايّ مستقبل للمملكة المتحدة في حال غياب اسكتلندا؟
الأهمّ من ذلك كلّه، أنّ بريطانيا فقدت أوروبا ولم تجد بدائل منها، خصوصا أن هموم الولايات المتحدة باتت هموما أميركيّة قبل أي شيء آخر. تدفع بريطانيا ثمن مغامرة اسمها «بريكسيت». ليس فيها سياسي واحد مستعد لطرح سؤال في غاية البساطة: هل في الإمكان تصحيح هذا الخطأ التاريخي؟ هل لا يزال من مجال لذلك في بلد ما زال فيه من يعتقد أنّه لا يزال دولة عظمى في حين بات يفتقد، حتّى، إلى عمال موسميين في حقل الزراعة… في غياب أولئك العمال الذين كانوا يأتون من دول أوروبيّة معيّنة!
لا شكّ أن ريشي سوناك سيواجه تحديا كبيرة. إنّه يعرف جيدا في الاقتصاد ولديه خبرة طويلة في هذا المجال، لكنّ وقوفه مع «بريكسيت» لا يبشّر بالخير في وقت يتوجب عليه إيجاد طريقة لتجاوز هذا الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه بريطانيا. لا تدرك أكثرية البريطانيين أنّ مجموعة من السياسيين الإنتهازيين أخذوا البلد إلى فخ «بريكسيت».
بسوناك أو غير سوناك يفترض في بريطانيا إيجاد طريقة للخروج من الفخ الذي وقعت فيه اليوم قبل غد… هذا إذا كانت تريد بالفعل الخروج من أزمتها في يوم من الأيّام.
The post بريطانيا تدفع ثمن «بريكسيت»! appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

