Reading in العربية (Arabic) | Read in English
تتسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على دول المنطقة في تعطيل التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، جراء عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، وأصبح العالم يواجه واحدة من أسوأ أزمات الطاقة في تاريخه الحديث، والتي تُعيد إلى الذاكرة أزمة سبعينيات القرن الماضي. ولا تقتصر الأزمة التي يواجهها العالم اليوم على النقص المستمر في إمدادات الطاقة منذ نحو ثلاثة أشهر، بل تشمل النقص في إمدادات الأسمدة الزراعية، فالمضيق هو أيضًا ممر تجاري حيوي يربط الخليج العربي بالعالم.
ذلك أن اضطرابات سلاسل الإمداد لا تقتصر تداعياتها على سوق الطاقة وحده، بل تمتد لتشمل باقي القطاعات الاقتصادية. وينطبق ذلك على إمدادات الأسمدة الزراعية، التي يُسبب تراجعها إلى حد التوقف، ترك المزارعين في معظم أنحاء العالم بدون المدخلات اللازمة لنمو محاصيلهم. ومن شأن هذا الواقع أن يمهّد لأزمات متداخلة، وفي مقدمتها أزمة الغذاء، التي تهدد الأمن الغذائي العالمي جراء النقص المتوقع في الإنتاج الزراعي مستقبلًا، في ظل اعتماد الزراعة الحديثة بدرجة كبيرة على الأسمدة واستقرار سلاسل إمدادها.
وعلى الرغم من أن التركيز قد انصب مؤخرًا على النقص في إمدادات النفط والغاز في ظل عرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلا أن تراجع إمدادات الأسمدة الزراعية يُشكل صدمة بالغة الأهمية، تتشكل من دون الضجيج الذي يُحدثه النقص في إمدادات الطاقة، نظرًا لما لها من تأثير كبير على المنتجات الغذائية وسلاسل إمدادها العالمية. كما أن قطاع الأسمدة الزراعية يُعدّ أحد أكثر القطاعات تسببًا في ارتفاع معدلات التضخم، التي يتم تجنب التطرق إليها حاليًا، بل التقليل من شأنها.
فالتضخم عند حدوثه، لا تنحصر آثاره في القطاع الزراعي فحسب، بل تمتد لتطال مختلف القطاعات الاقتصادية. ومن الدروس المتكررة في تاريخ الأسواق أن الضغوط التضخمية غالبًا ما تبدأ في الظهور في مجالات لا تحظى بالاهتمام الكافي من قبل معظم الاقتصاديين. وقد أظهرت موجات التضخم في سبعينيات القرن الماضي، كيف يمكن للتراجع التدريجي في عرض السلع الأساسية وتزايد العجز عن تلبية الطلب أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتصاعد معدلات التضخم.
ويأتي النقص في إمدادات الأسمدة الزراعية في وقتٍ حرج لنصف الكرة الشمالي، لكونه يُمثّل موسم الزراعة الرئيسي، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاجية المساحات المزروعة وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية. وفي هذا الإطار، أوضح كارل سكو (Carl Skau)، نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، الفاو (FAO)، أن هذا يعني، في أسوأ الأحوال، انخفاضًا في المحاصيل وفشلاً في الموسم القادم. وفي أفضل الأحوال، ستُضاف تكاليف المدخلات المرتفعة إلى أسعار المواد الغذائية في العام المقبل.
ويُعد كل من النيتروجين والفوسفات من أبرز مكونات الأسمدة المهددة بخطر النقص في إمداداتها نتيجة الحصار المفروض على مضيق هرمز، حيث كانت دول الخليج تصدر نحو نصف إمدادات اليوريا العالمية، بما يتراوح بين 46% و49% من المعروض العالمي. وتُشكّل هاتان المادتان عنصرين أساسيين في صناعة الأسمدة الزراعية، إذ تسهمان في تعزيز خصوبة التربة، وتسريع نمو المزروعات، وزيادة إنتاجيتها، لا سيما للمحاصيل الغذائية الأساسية مثل القمح والذرة والأرز.
وفي الوقت الذي تمتلك فيه دول عديدة احتياطيات من الأسمدة ومدخلاتها، تواجه دولٌ أخرى نقصًا حادًا وتعتمد بشكل كبير على منطقة الخليج لتأمين إمداداتها من هذه الأسمدة. وقد ينعكس هذا النقص سلبًا في الأشهر المقبلة على التبادل التجاري خارج منطقة الخليج، مع تركيز الدول على تلبية احتياجاتها المحلية. في الهند، على سبيل المثال، تُعطي الحكومة الأولوية حالياً لتلبية السوق المحلية وتستخدم مخزونها من اليوريا لإنتاج الأسمدة.
وقد حذر سفين توري هولسيثر (Svein Tore Holsether)، الرئيس التنفيذي لشركة يارا (Yara) – إحدى أكبر شركات إنتاج الأسمدة في العالم – في أوائل أيار/مايو، من أن عرقلة التجارة العالمية الناجمة عن الحرب على إيران قد تتسبب في خسارة تصل إلى 10 مليارات وجبة أسبوعيًا على مستوى العالم، وسيكون تأثير ذلك أشد وطأة على البلدان الأشد فقرًا.
ويعتبر هولسيثر أن هناك على مستوى العالم حاليًا نقصًا في إنتاج الأسمدة النيتروجينية يُقدَّر بنحو نصف مليون طن بسبب الوضع الراهن. كما أن انخفاض غلة المحاصيل نتيجة محدودية استخدام الأسمدة قد يؤدي إلى حرب أسعار على المنتجات الغذائية. وقد حثّ الدول الأوروبية على دراسة تأثير حرب الأسعار المحتملة بعناية على الفئات الأكثر ضعفًا في البلدان الأخرى.
كما أكد هولسيثر أن النقص في استخدام الأسمدة النيتروجينية قد يُقلل من غلة بعض المحاصيل بنسبة تصل إلى 50% في الموسم الأول. وعلى الرغم من أن سوق الأسمدة سوق عالمي، إلا أن الوجهات الرئيسية لشحنات الأسمدة هي آسيا وجنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث ستشهد هذه المناطق التأثير الأسرع والأكثر مباشرة. وأضاف أن ذلك قد يُفاقم المشكلة في مناطق العالم التي تعاني أصلاً من نقص استخدام الأسمدة، مثل منطقة الصحراء الكبرى في جنوب أفريقيا.
ويرتبط إنتاج الحبوب الأساسية في العديد من الدول، ولا سيما في كل من البرازيل والأرجنتين في أمريكا اللاتينية، بتوافر الأسمدة ارتباطًا وثيقًا، حيث تساهم الدولتان معًا بنحو 10% من صادرات القمح العالمية، و39% من صادرات الذرة، و66% من صادرات فول الصويا، وفقًا لتقديرات وزارة الزراعة الأمريكية. وتعتمد الدولتان اعتمادًا كبيرًا على واردات الأسمدة، التي يأتي معظمها من منطقة الخليج العربي، مما يجعل أي ارتفاع في أسعارها ينعكس ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج وبالتالي ارتفاع الأسعار.
ومع وجود حالة من عدم اليقين بشأن موعد وكيفية عودة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، تسعى عدة دول إلى تطوير سلاسل إمداد بديلة. ومع ذلك، إذا استمر تعطل تجارة الوقود والأسمدة لفترة أطول، فمن المتوقع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتزايد التهديدات للأمن الغذائي في مناطق عديدة من العالم خلال العام المقبل. خاصةً وأن إنتاج هذه الأسمدة يتطلب توافر مواد أساسية مثل الغاز الطبيعي (للنيتروجين) والكبريت (للفوسفات)، والتي يُشكل الخليج العربي أحد مصادرها الرئيسية.
وفي لبنان، الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، يُسهم النقص في إمدادات الأسمدة الزراعية وارتفاع أسعارها في تضاعف أزمة القطاع الزراعي، لا سيما في ظل الخسائر الواسعة التي خلفتها الحرب الإسرائيلية المتمادية في الأراضي الزراعية والأضرار التي لحقت بالبنى الإنتاجية، فقد بلغت المساحات المتضررة أكثر من 52 ألف هكتار، أو ما يعادل حوالي %22.5 من مجمل الأراضي الزراعية في لبنان.
وتزداد خطورة هذا الواقع في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية الوحشية على لبنان، الأمر الذي ينذر بفقدان نحو ربع الإنتاج الزراعي الوطني، مع ما يترتب على ذلك من تهديد مباشر للأمن الغذائي، وإضعاف لقدرة المزارعين على الصمود والاستمرار في الإنتاج.

