دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) — إذا كنت أباً أو أماً أو وصياً، فلا بد أنك سمعت عن أهمية احترام مشاعر طفلك. فتعليم الأطفال كيفية التعامل مع مشاعرهم يساعدهم على تجاوز الانفعالات السلبية التي يمرون بها خلال مراحل نموّهم. لكن ماذا عن مشاعرك أنت كأب أو أم؟
هيلاري جاكوبس هندل، الاختصاصية الاجتماعية والمعالجة النفسية، والدكتورة جولي فراغا، عالمة النفس والمربية في مجال التربية، قلبتا المعادلة في كتابهما الجديد “حتى للأهل مشاعر”. معاً، تُعلّمان الأهل كيفية مواجهة مشاعرهم الخاصة والتعامل معها بوعي، ليتمكنوا من تربية أطفال يتمتّعون بصحة عاطفية جيدة.
وقالت هندل لـCNN: “المشاعر تؤثّر فينا كل يوم وغالباً ما توقعنا في المتاعب، ولها عواقب كبيرة على كيفية فهمنا للمشاعر لدى الأجيال التالية”.
في الكتاب، تقدّم الاختصاصيتان أداة “مثلث التغيير” للصحة العاطفية، التي طوّرتها هندل بالاستناد إلى مثلث الخبرة في نموذج العلاج النفسي AEDP (العلاج النفسي الديناميكي التجريبي المعجّل).
تساعد هذه الأداة الأهل على تسمية ستة مشاعر أساسية، والتحقّق منها والتعامل معها، وهي:
- الغضب،
- والحزن،
- والخوف،
- والاشمئزاز،
- والفرح،
- والحماسة.
وقالت المؤلفتان إنّ هذه المشاعر الأساسية تعمل مثل “برامج سريعة المفعول”، إذ تُحدث تغييرات جسدية تدفعنا إلى التصرّف أولاً، والتفكير لاحقاً.
وأضافت هندل: “نحن نرغب بالوصول إلى جميع المشاعر لنكون أصحاء نفسياً. هذا هو المفهوم الذي أتبناه الآن للصحة النفسية، أي القدرة على اختبار مجموعة كاملة من المشاعر الأساسية مع أدنى مستويات من الدفاعية والحماية والكبت”.
وللتعمق أكثر في أهمية تعلّم الأهل كيفية التعامل مع مشاعرهم، كان لـCNN مقابلة مع المؤلفَتين.
CNN: هل من شعور محدد يُعتبر الأهم بالنسبة للأهل؟
هيلاري جاكوبس هندل: الغضب هو الشعور الذي يوقع الناس غالباً في المتاعب لأنه قادر على أن يكون مدمراً، فنكبته. لكن الغضب قد ينقلب إلى الداخل فيظهر على شكل اكتئاب، أو ذنب، أو قلق، أو خجل. كما يمكن أن ينفجر للخارج ويتجلى بشكل عدواني. الفكرة تتمثّل بتعلّم اختبار الغضب من دون التصرف بناءً عليه، أي أن نجعله عملية داخلية بحتة تتضمن:
- تسمية الغضب،
- وملاحظة كيف نشعر به في الجسد،
- والتعرف على الدوافع الكامنة فيه في اللحظة نفسها،
- وأخيراً تحرير طاقته.
هذه التقنيات تساعد على تهدئة الجهاز العصبي، ما يتيح لنا التفكير بوضوح حول أفضل طريقة للتعامل مع الغضب.
عندما نُعلّم التربية العاطفية، يكون الهدف فهم الغضب كخطوتين منفصلتين:
- اختبار الغضب، وهي عملية داخلية بحتة.
- اختيار الأفعال بوعي، بحيث تشمل إذا كان ينبغي التعبير عن الغضب، وكيفية التعبير عنه بطريقة بنّاءة تعود بالفائدة على الفرد وعائلته.

CNN: لقد سمعنا عن “غضب الأم”. هل يشعر الآباء أيضاً بما يُسمى “غضب الأب”؟
الدكتورة جولي فراغا: نعم. عندما نتحدث عن الأهل، غالباً ما تكون الأمهات في المقدمة. لكن الآباء أيضاً يشعرون بالقلق والكثير من الخجل، من دون أن يدركوا أحياناً أنهم يحملون هذا الخجل. يعود ذلك إلى أن أحداً لم يؤكد لهم من قبل أن صدمات الطفولة يمكن أن تظهر أيضاً في دورهم كآباء. عندما لا يسمّون مشاعرهم ويتعاملون معها، غالباً ما يلجأون إلى آليات الدفاع. وقد تظهر من خلال الإفراط بالعمل، أو الانغماس في ألعاب الفيديو، أو الانعزال، أو الانفصال عن شركائهم.

CNN: ما هي بعض الخرافات الشائعة عن المشاعر؟
هندل: من أكبر هذه الخرافات الاعتقاد بأن المشاعر تحت سيطرة وعينا الكاملة. لكن وظيفة المشاعر تكمن في مساعدتنا على البقاء على قيد الحياة. فهي بمثابة “برامج سريعة الحركة” لتحريكنا. الهدف من الشعور هو دفعنا للتحرك بطرق تكيفية. تنشأ المشاعر الأساسية في الجزء تحت القشري من الدماغ، وليس في المناطق التي تحت سيطرتنا الواعية.
الكثير من الناس لم يفكروا أبداً في مشاعرهم، ولا يعترفون حتى بأن لديهم مشاعر. إنهم أسيرو دفاعاتهم التي تصبح نمط حياة دفاعيّ راسخ. لكن لهذا الأمر تكاليف على صحتنا الجسدية والنفسية، وكذلك على رضا العلاقات.
CNN: كيف تساعد أداة الصحة العاطفية، “مثلث التغيير”، الأهل على التعامل مع مشاعرهم؟
هندل: هذه الأداة يمكن أن تنقلك من الضيق العاطفي إلى نفسك الهادئة والواثقة والمتصلة بالآخرين. أعلى المثلث يدل على المكان الذي يعيش فيه معظمنا. في الزاوية العلوية اليسرى توجد الدفاعات،أي كل ما نقوم به لحماية أنفسنا من الانزعاج أو الألم العاطفي. أما في الزاوية العلوية اليمنى فهناك المشاعر الكابحة، مثل القلق، والخجل، والشعور بالذنب؛ وظيفتها كبت المشاعر الأساسية الموجودة في أسفل المثلث.
المشاعر الأساسية تعتبر بوابة الذات الحقيقية. عندما نشعر بها ونستفيد منها، يحب جهازنا العصبي ذلك. فهي تكيفية للحياة، نعرف ما نشعر به وما نحتاج إليه. لكن عندما تعلمنا في طفولتنا أن بعض أو كل المشاعر الأساسية غير مقبولة بالنسبة لوالدينا، فإننا نقوم بكبتها بواسطة إحدى المشاعر الكابحة مثل الخجل أو الذنب. بعدها تأتي الدفاعات لتتصرف كرد فعل على هذا الانزعاج.
الهدف من استخدام مثلث التغيير الانتقال عبر المشاعر الأساسية التي تشعر بها نحو ما يُسمى بالمشاعر الجوهرية: الهدوء، والاتصال، والفضول، والرحمة. هنا ستجد حالة عقلية وجسدية منضبطة فسيولوجياً.

كأب أو أم، فإن فهم كيفية التعامل مع مشاعرك باستخدام هذه الأداة يمكن أن يغيّر بالكامل مسار أي تفاعل مع طفلك. فهي تفتح قلبك نحو صلة أعمق معهم لأنك أصبحت تفهم بشكل أفضل كيفية عمل المشاعر في أجسادهم. كما أن فهم الحالة العاطفية لطفلك بشكل أعمق يساعدك على التفاعل بشكل أقل اندفاعاً مع الدفاعات التي قد يستخدمونها، مثل تدوير العيون أو التصرف بوقاحة.
CNN: أين يقع الخجل، أحد المشاعر الكابحة، ضمن أداة مثلث التغيير؟
هندل: الخجل الصحي موجود لسبب وجيه. بجرعات صغيرة، يعلمنا أن نكون أشخاصاً صالحين، نتبع القوانين، ولا نؤذي الآخرين. وهذا تكيّفي لأنه يحافظ على اتصالنا الإيجابي مع المجموعات والمجتمعات التي نحتاجها، مثل العائلة والأصدقاء.
دماغ الطفل يربط بين تجربته في الطفولة مع والديه أو المجتمع وفكرة أنه إذا أظهر هذا الجانب من نفسه ومشاعره، فسيتم إحراجه. هذا الجزء من الذات يختبئ.
لكي نشعر بتحسن، نريد الانتقال من الدفاعات إلى مشاعرنا الأساسية، لاستخدامها في حياتنا، والازدهار، وتنظيم جهازنا العصبي، لنعود بذلك إلى ذاتنا الحقيقية، بقلب مفتوح. هذه الحالة تمنحنا شعوراً بالراحة والصواب. من خلال العمل بأداة مثلث التغيير، نتمكن من قضاء وقت أطول في هذه الحالة المفتوحة للقلب، والتعافي بسرعة أكبر من المحفزات التي تثيرنا.

CNN: هل يمكن أن يجعل الانتباه أكثر لمشاعر الفرح منك أباً أو أماً أفضل؟
فراغا: بالتأكيد. إذا لم يستطع الشعور بالفرح لأنفسنا، سيكون من الصعب جداً الشعور به تجاه أطفالنا. أحياناً، تُحجب هذه المشاعر الأساسية لأن فرح الوالدين تم كتمه خلال طفولتهم.
مع وجود كل هذه الصراعات في العالم، يبحث دماغنا دوماً عن طرق لحماية أنفسنا من الخطر، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحماية أطفالنا. لذلك، فإن الوقت الذي نقضيه في ملاحظة فرحنا أو فرح أطفالنا قد يكون لحظة خاطفة مقارنة بالوقت الذي نقضيه في محاولة معالجة مخاوفنا.
الفرح يمنحنا شعوراً بالاتساع، وهو شعور رائع يجب الاستمتاع به. وتشير الأبحاث إلى أن الاستمتاع باللحظات المليئة بالمعنى والفرح في التواصل يمكن أن يساعدنا على إدارة التوتر بشكل أفضل.
CNN: هل يمكن أن نصبح آباءً أو أمهات أذكياء عاطفياً في أي وقت؟
فراغا: ليس أبداً متأخراً. هناك دوماً أمل في الشفاء، بغض النظر عما مررت به، وذلك بفضل المرونة العصبية في الدماغ. لا يمكنك تغيير الماضي، لكن يمكنك تغيير الحاضر. يمكنك تغيير الطريقة التي تتعامل بها مع مشاعرك. القدرة على التعامل مع المشاعر هي واحدة من أفضل الأشياء التي يمكننا القيام بها لأطفالنا.

