خطاب العرش… حين تنتقل الدولة من تثبيت المكتسبات إلى صناعة المستقبل
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس نصره الله العرش سنة 1999، ظل خطاب العرش محطة وطنية بارزة، يجدد من خلالها جلالته صلة الوفاء والتلاحم بين العرش والشعب، ويقدم رؤية شاملة لمسار المملكة وأولوياتها الاستراتيجية. وعلى امتداد سبع وعشرين سنة من القيادة الملكية، شكل هذا الخطاب مرجعا لتتبع التحولات الكبرى التي عرفها المغرب، من بناء دولة المؤسسات، وتعزيز الاستقرار، وترسيخ التنمية الشاملة، إلى الاستعداد لمواجهة رهانات المستقبل.

ولم يكن خطاب العرش مجرد مناسبة سنوية، بل ظل تعبيرا عن فلسفة في الحكم تقوم على الأمانة والمسؤولية وخدمة المواطن، وتحويل الرؤية الاستراتيجية إلى سياسات ومشاريع تواكب تطلعات المغاربة. وهو ما استحضره جلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه هذه السنة، حين أكد أن تولي مسؤولية قيادة الوطن هو أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة، مستحضرا قول الله تعالى: “لئن شكرتم لأزيدنكم”، في تعبير عن قيم الشكر لله تعالى واستحضار نعمة التوفيق والسداد في خدمة الوطن.

كما يعكس حضور المرجعية القرآنية في خطاب العرش ارتباط المملكة المغربية بثوابتها الروحية والوطنية، حيث يلتقي البعد الإيماني بقيم العمل والمسؤولية وبناء المستقبل، في انسجام مع مكانة المؤسسة الملكية باعتبارها رمزا لوحدة الأمة واستمرارية الدولة.

لم يكن خطاب العرش هذه السنة مجرد استعراض لحصيلة مرحلة، ولا خطابا للاحتفاء بما تحقق، بل بدا كإعلان عن انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة عنوانها ترسيخ المكتسبات، وتعزيز السيادة، والاستعداد لصناعة المستقبل.

فالدول التي تمتلك رؤية واضحة لا تكتفي بعرض ما أنجزته، وإنما تنظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى كيفية تحويل التراكمات إلى قوة مستدامة، وتحويل الاستقرار إلى رافعة للتنمية، وتحويل الثقة إلى مشروع دولة قادر على مواجهة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم.

لقد حمل الخطاب الملكي رسالة أساسية مفادها أن التنمية لا يمكن اختزالها في مؤشرات اقتصادية فقط، بل هي مشروع شامل يرتبط بقدرة الدولة على بناء اقتصاد قوي، ومؤسسات فعالة، ومجتمع متماسك، وقدرة وطنية على حماية المصالح الاستراتيجية للمملكة.

ومن هذا المنطلق، برز مفهوم السيادة باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لفهم المرحلة المقبلة. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بالسيادة السياسية، وإنما بسيادة متعددة الأبعاد تشمل الأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الطاقي، والصناعة، والتكنولوجيا، والابتكار، وكل المجالات التي تمنح الدولة قدرة أكبر على اتخاذ قراراتها وفق مصالحها الوطنية.

فالتحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي أثبتت أن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم مواردها، بل بقدرتها على امتلاك سلاسل إنتاج، وتطوير صناعات استراتيجية، والاستثمار في المعرفة والكفاءات. وهو ما يفسر التركيز على القطاعات الجديدة التي أصبح المغرب يراهن عليها، من الصناعات المتقدمة إلى الطاقات المتجددة والتكنولوجيات الحديثة، باعتبارها مجالات لصناعة القيمة وتعزيز مكانة المملكة في الاقتصاد العالمي.

وقد قدم الخطاب الملكي صورة واضحة عن مسار اقتصادي جديد يقوم على تعزيز موقع المغرب كقطب صناعي واستثماري، حيث أصبحت قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، بما توفره من فرص لجلب الاستثمارات، وخلق الثروة، وتوفير فرص الشغل.

كما أن تطوير الصناعات المرتبطة بالبطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر يعكس توجها استراتيجيا نحو مواكبة التحولات العالمية، والانخراط في القطاعات المستقبلية التي ستحدد موازين القوة الاقتصادية خلال العقود المقبلة. وهي اختيارات تؤكد أن المغرب لا يكتفي بمواكبة التحولات الدولية، بل يسعى إلى أن يكون فاعلا في صناعتها.

كما أن الخطاب لم يقدم الاستقرار باعتباره مجرد واقع سياسي، بل باعتباره رأسمالا استراتيجيا مكّن المغرب من مواصلة مساره التنموي في بيئة دولية مليئة بالتحديات. فالاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي أكد عليه جلالة الملك محمد السادس نصره الله يشكل أحد أهم عناصر الثقة التي تعزز جاذبية المملكة، وتقوي حضورها كشريك موثوق على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي سياق عالمي يتسم باضطراب سلاسل التوريد وعودة التوجهات الحمائية، جاء التأكيد على مفهوم السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي ليشمل قطاعات حيوية مثل الصناعات الغذائية والدوائية، إضافة إلى الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، باعتبارها مجالات مرتبطة بأمن الدولة وقدرتها على حماية مصالحها.

وفي البعد الاجتماعي، أكد الخطاب أن التنمية لا تكتمل إلا عندما تصل آثارها إلى المواطن، وأن التحول الاقتصادي يجب أن يواكبه تحسين ملموس في ظروف العيش، وتقليص الفوارق المجالية، ومواصلة برامج التنمية البشرية وتعميم الحماية الاجتماعية، بما يجعل الإنسان محور السياسات العمومية وغايتها الأساسية.

كما وجه الخطاب رسالة واضحة بخصوص ضرورة انخراط مختلف الفاعلين في المرحلة المقبلة، خصوصا القطاع المالي والقطاع الخاص، من أجل تعبئة الموارد الضرورية، ودعم الاستثمار، ومواكبة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الابتكار والتصنيع والتصدير. فالمراحل الكبرى من التحول الاقتصادي تحتاج إلى تعبئة وطنية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والفاعلين الاقتصاديين.

وعلى المستوى الدولي، أكد الخطاب أن المغرب استطاع ترسيخ مكانته كفاعل موثوق ومحترم، بفضل سياسة تقوم على تنويع الشراكات والانفتاح المتوازن والدفاع عن المصالح الوطنية. فالقوة التي راكمتها المملكة لم تعد مرتبطة فقط بمواقفها السياسية، وإنما أيضا بقدرتها الاقتصادية، واستقرارها المؤسساتي، وحضورها المتزايد في المشاريع الاستراتيجية.

كما حمل الخطاب بعدا مهما يتعلق باستمرارية الدولة وتراكم الاختيارات الكبرى، عندما أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية المحققة تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، باعتبارها ثمرة سنوات من العمل والتراكمات الإيجابية. وهي رسالة تؤكد أن بناء الدول لا يقوم على المراحل القصيرة، بل على رؤية ممتدة واستراتيجيات متواصلة.

ومع التطلع إلى مرحلة جديدة بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، يبرز رهان تحصين المكتسبات وتسريع الإصلاحات الكبرى، بما يضمن مواصلة المسار التنموي للمملكة وتعزيز قدرتها على مواجهة تحديات المستقبل.

وفي ختام الخطاب، كان الوفاء حاضرا كما كان المستقبل حاضرا، من خلال تجديد التقدير لمختلف مكونات القوات المسلحة الملكية والأجهزة الأمنية والإدارية، واستحضار أرواح شهداء المغرب الأبرار، وفي مقدمتهم جلالة الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، تغمدهما الله بواسع رحمتهما. وهو حضور يجسد عمق الارتباط بين الوفاء للتاريخ ومواصلة بناء المستقبل.

إن خطاب العرش لهذه السنة لم يكن خطاب أرقام بقدر ما كان خطاب مرحلة. مرحلة عنوانها الانتقال من تثبيت الأسس إلى تعظيم الأثر، ومن بناء القدرات إلى استثمارها، ومن مواجهة التحولات إلى المشاركة في صناعتها.

فالرسالة الأعمق للخطاب أن قوة الدول لا تقاس فقط بما حققته في الماضي، بل بقدرتها على مواصلة البناء، وتحويل الرؤية إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى سياسات، والسياسات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن.

وهنا تكمن فلسفة المرحلة المقبلة: مغرب يثق في مؤسساته، ويستثمر في قدراته، ويصنع مستقبله بإرادة ثابتة ورؤية استراتيجية واضحة.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات