Reading in العربية (Arabic) | Read in English
ليس التاريخ مجرد سردٍ للأحداث الماضية، بل هو مرآة لضمير الأمم وطريقة فهمها لذاتها. غير أن المشكلة الكبرى لا تكمن في وجود المآسي في التاريخ، فكل تاريخ إنساني يحمل بين صفحاته صراعاتٍ وأخطاءً وكوارث، بل تكمن في الطريقة التي تُدار بها الذاكرة الجماعية لتلك الأحداث. فحين تصبح الذاكرة انتقائية، وحين يُعاد تشكيل الماضي بما يخدم مواقف سياسية أو مذهبية معاصرة، يتحول التاريخ من مصدرٍ للفهم والعبرة إلى أداة للصراع والتعبئة والانقسام.
في التاريخ الإسلامي صفحاتٌ ثقيلة بالدموع والألم لا يمكن إنكارها أو تجاوزها. ومن أكثر تلك الصفحات إيلامًا مأساة مقتل الحسين بن علي في معركة كربلاء. لم يكن الحسين مجرد شخصية سياسية خاضت مواجهة وانتهت بهزيمة عسكرية، بل كان حفيد النبي وواحدًا من أكثر الرموز ارتباطًا بالقيم الأخلاقية في الوجدان الإسلامي. إن سقوطه في كربلاء لم يكن حدثًا عابرًا، بل صدمة حضارية هزت الضمير الإسلامي منذ القرن الأول للهجرة وحتى اليوم. وفي تلك المأساة وقف إلى جانبه أخوه العباس بن علي، الذي تحولت قصته إلى رمزٍ للفداء والإخلاص في المخيال الإسلامي.
غير أن كربلاء لم تكن الحدث الوحيد الذي كشف عن عمق الاضطراب السياسي والأخلاقي في تلك المرحلة من التاريخ الإسلامي. فقد شهدت المدينة المنورة نفسها، مدينة النبي ومركز رسالته، واحدة من أكثر لحظاتها ظلمة خلال واقعة الحرة، حين تحولت المدينة التي انطلقت منها رسالة الرحمة إلى ساحة مواجهة دامية نتيجة صراع سياسي على السلطة. وفي تلك السنوات المضطربة أيضًا تعرضت الكعبة المشرفة للقصف أثناء المواجهة مع عبد الله بن الزبير، في حادثة شكلت صدمة أخلاقية كبرى لأن الصراع السياسي امتد إلى أقدس الأماكن في الإسلام.
هذه الوقائع ليست مجرد حوادث تاريخية عابرة يمكن تجاوزها بعبارات التهدئة أو تجاهلها بدعوى أن الزمن قد مضى. إنها لحظات مفصلية في التاريخ الإسلامي كشفت عن هشاشة العلاقة بين السلطة والأخلاق، وعن قدرة السياسة على دفع المجتمعات إلى حدود لم يكن أحد يتخيلها. لكن المفارقة التي تستحق التأمل اليوم ليست في وقوع تلك الأحداث، بل في الطريقة التي يتم بها التعامل معها في الخطاب المعاصر.
ففي كثير من الأحيان، عندما يُطرح الحديث عن تلك المآسي التاريخية، يُطلب من الناس الصمت. يقال إن الخوض في تلك الأحداث يثير الفتن ويهدد وحدة المسلمين، وأن الحكمة تقتضي ترك الماضي للماضي. غير أن هذا المبدأ نفسه يتبخر فجأة عندما يتعلق الأمر بصراع سياسي معاصر. عندها يُفتح التاريخ بكل صفحاته، وتُستحضر أحداث مضى عليها أكثر من ألف عام، وتُعاد صياغتها في خطاب تعبوي يهدف إلى تأجيج الانقسام الطائفي وإعادة رسم الحدود بين “نحن” و“هم”.
هذه الازدواجية تكشف أزمة عميقة في معيار العدالة نفسه. فالتاريخ الذي يُطلب نسيانه حين يحرج رواية معينة يصبح فجأة حاضرًا بقوة عندما يخدم خطابًا سياسيًا معاصرًا. والوقائع التي يُقال إنها جزء من “فتنة قديمة” تتحول إلى أدوات اتهام وتحريض حين تتغير الظروف السياسية.
يظهر هذا التناقض بوضوح في كثير من النقاشات المرتبطة بالصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط. ففي خضم التوترات السياسية والعسكرية، بما فيها المواجهات المرتبطة بدور إيران أو الصراع مع إسرائيل، يتحول الخطاب السياسي في كثير من الأحيان إلى خطاب طائفي يستدعي مظالم التاريخ ويعيد تفسيرها بما يخدم الاستقطاب المعاصر. فبدل تحليل الوقائع السياسية بلغة المصالح الدولية والتوازنات الاستراتيجية، يجري تصوير الصراع وكأنه معركة عقائدية كبرى بين معسكرات مذهبية متقابلة.
إن هذا النوع من الخطاب لا يسيء فقط إلى فهم التاريخ، بل يختزل تعقيدات السياسة المعاصرة في سرديات تبسيطية خطيرة. فالحروب في عالم اليوم لا تُفسَّر بالغضب الإلهي ولا تُحسم بلغة اللعن والتكفير، بل تتحرك وفق حسابات معقدة من المصالح والتحالفات والتوازنات الدولية. لكن حين تُختزل السياسة في خطاب ديني تعبوي، يصبح من السهل تعبئة الجماهير، ومن الصعب في المقابل الوصول إلى فهم عقلاني لما يجري.
الأخطر من ذلك أن هذا الاستخدام الانتقائي للتاريخ يحول المآسي القديمة إلى وقود دائم للصراع. فبدل أن تكون تلك الأحداث دروسًا أخلاقية تدفع المجتمعات إلى تجنب أخطاء الماضي، تتحول إلى أدوات لتغذية العداء وإعادة إنتاج الانقسام جيلاً بعد جيل. وهكذا يبقى الحاضر أسيرًا لماضٍ لم يُفهم جيدًا ولم يُقرأ بصدق.
إن مواجهة هذه الأزمة لا تبدأ بفرض رواية تاريخية واحدة على الجميع، فالتاريخ بطبيعته مجالٌ للتعدد في التفسير والقراءة. لكنها تبدأ بالاعتراف بأن الانتقائية في الذاكرة أخطر من الاختلاف في الرأي. فحين يُستخدم التاريخ كسلاح في الصراعات السياسية، يفقد قدرته على أن يكون مصدرًا للحكمة والعبرة.
لقد مرت قرون طويلة على تلك الأحداث، لكن الدرس الذي تحمله ما زال حاضرًا بقوة: إن الظلم حين يُبرَّر مرة باسم السياسة، أو يُسكت عنه مرة باسم الوحدة، فإنه لا يختفي، بل يعود في صورٍ جديدة. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس إعادة إشعال صراعات الماضي، بل تحرير الوعي من الطريقة التي يُستغل بها ذلك الماضي في صراعات الحاضر.
إن العالم الإسلامي يقف اليوم أمام تحديات هائلة، من أزمات الدولة والاقتصاد إلى الصراعات الإقليمية والتدخلات الدولية. ولن يكون من الممكن مواجهة هذه التحديات بعقلية الثأر التاريخي أو بالقراءات الطائفية للماضي. فالأمم التي تظل أسيرة جراحها القديمة دون أن تتعلم منها محكوم عليها بالبقاء في دائرة الصراع نفسها.
أما الطريق نحو مستقبل مختلف فيبدأ بالاعتراف البسيط والصعب في آن واحد: أن التاريخ الإسلامي، مثل أي تاريخ إنساني، يحتوي على لحظات مجد ولحظات مأساة، وأن التعامل الصادق معه يتطلب معيارًا أخلاقيًا واحدًا لا يتغير بتغير الانتماء المذهبي أو الموقف السياسي.
إن الوقوف مع الحق لا يعني الدفاع عن دولة أو طائفة أو سردية تاريخية بعينها، بل يعني التمسك بمبدأ واضح لا يقبل الانتقائية: رفض الظلم أيًا كان فاعله، في الماضي كما في الحاضر، والاعتراف بأن العدالة لا يمكن أن تقوم على ذاكرةٍ تختار ما تتذكره وما تتجاهله. فقط حين يتحرر الوعي من هذه الذاكرة الانتقائية يمكن للتاريخ أن يؤدي دوره الحقيقي: أن يكون درسًا للمستقبل، لا وقودًا لصراعات لا تنتهي.

