
بقلم د. طالب سعد
إن كانت كل الطرقات تؤدي الى روما، كما يقول المثل الروماني القديم في وصفه للطموحات الرومانية الى بناء دولة قوية واسعة النطاق منفتحة على دول الجوار بالرغم من صعوبة المواصلات حينها نتيجة لوعورة الطرق، إذ عمدت الى ربط كل مدينة تفتحها بطريق مرصوف يصل في نهايته الى روما حتى تبقى هذه المدن المفتوحة متصلة بها، فأصبح كل طريق يصل في نهايته الى روما.
إلاّ ان روما من فوق غير روما من تحت، فروما الحضارة والتاريخ والجغرافيا التي بدأت عصرها الذهبي بعد تولي أغسطس حكمه لها، حيث كان عصراً مليئاً بالسلام والازدهار والعمل والانتاج على كافة المستويات، على عكس سقوط روما الذي حل عليها في القرن الخامس الميلادي، ذلك الحدث الذي ما زال يهتز له التاريخ حتى يومنا هذا، وهو ناتج عن انتشار الفساد والظلم والهدر في الانفاق ومظاهر الترف الخاصة بالحكام على حساب الامبراطورية المتقهقرة، والتلهي بالانقسامات الداخلية والاستيلاء على مقدرات الدولة بشكل استنسابي غير عادل.
فما علاقة المنظومة بروما لبنان كما يشير عنوان المقال؟
من المؤكد انه لن يصعب على اي لبناني يعيش ظلم وويلات تلك المنظومة الحاكمة بقوة القانون وسطوة ميليشياتها وفساد مؤسساتها وسرقتها لودائع ومدخرات شعبها وإهانة كرامة كافة أعمار ناسها، أن يدرك ان روما المنظومة، هي روما التي سقطت بعد حضارة توّجها التاريخ، وأن روما العظيمة والجميلة والغنية بالعلوم والمفكرين قد انهارت وسقطت سقوطاً مدوياً. الأمر الذي ينطبق تماماً على منظومة لبنان التي تتداعى من دون اعتراف، وتفقد كل مؤسساتها وكوادرها من دون اهتمام، وتقفل كل الطرقات مع الجوار وتريد أن تجعل من لبنان الجميل، مزرعة خاصة للفساد والبطالة والفقر والتخلف والهيمنة الاستنسابية.
المهم بالنسبة لها التعطيل، أو التأجيل..
لبنان اليوم أمام استحقاق رئاسي قديم – جديد، إذ ان المنظومة تريد من الجميع التوافق على رئيس تختاره هي، وإلاّ يكون أي مرشح رئاسي آخر، مرشح تحدّي بالنسبة لها.
وما المشكلة أصلاً في التحدّي؟ هل هو تحدّي مسلح لا يسمح الدستور والقانون باستعماله، أم هو حق دستوري وشرعي يسمح للنواب أن يتنافسوا ويختلفوا من اجل تقديم ما هو أفضل للبنان وشعبه المنكوب!
كل الطرق تؤدي الى انهيار المنظومة، قد لا يوافق كثر على هذا الكلام باعتبار ان المنظومة ما زالت تتحكم بزمام أمور اللعبة وكل مفاتيحها، تماماً كما كانت روما قبل ذاك السقوط، فسقوط المنظومة بات وشيكاً وآتياً لا محالاة، وهو لن يأتي إلاّ من داخلها لأنها بنيت على الطمع والجشع والاستبداد والفساد والنفاق والدجل، كما سقوط روما.
كل المؤشرات تؤدي اليوم الى زعزعة المنظومة التي بدأت عبر الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2022 بالرغم من قانونها الأعوج والمفصّل على قياساتها، ثم من ازدياد كراهية معظم الجماهير اللبنانية لها عبر البدء بمعركة تشكيل الوعي المجتمعي الملوّث أصلاً بثقافة أحزابها، وصولاً اليوم الى انتخابات رئاسية تحمل الكثير من المعاني بعد تعطيل تخطى الستة أشهر من دون اكتراث لأزمة اقتصادية او اجتماعية خانقة وكأن فلسفة أنا ومن بعدي الطوفان هي فكر وعقيدة تلك المنظومة المتهاوية.
روما لبنان الحضارة وسويسرا الشرق قادمة لا محالاة، فدولة الظلم ساعة ودولة الحق الى قيام الساعة، فتفاءلوا ايها اللبنانيون وثقوا بأنكم قادرون على إعمار بلدكم وجعله مزدهراً.
فالاقتصاد والاخلاق مخطوفان حالياً ويجب تحريرهما، المعركة مستمرة بين من يريد تدمير لبنان وتحريره، وغداً يوم آخر وروما لبنان غير روما المنظومة.
(باحث في الاقتصاد السياسي والاجتماعي)
بيروت في 14 حزيران 2023
The post روما لبنان غير روما المنظومة appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

