«نيويورك تايمز» – بقلم: ماكس فيشر
هناك سؤال لا يزال حاضراً بعد 20 عاماً على الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق، وهو موضوع لغموض عميق ونقاش بين المؤرخين وعلماء السياسة، وحتى المسؤولين الذين ساعدوا على الحرب.
لا يتعلق السؤال بحصيلة القتلى من الأميركيين (حوالى 1.600 جندي)، ولا حياة العراقيين الذين كانوا ضحية الحرب (حوالى 300.000 قتلوا مباشرة في الحرب)، ولا الثمن المالي الذي دفعته الولايات المتحدة (815 مليار دولار)، من دون حساب الكلفة غير المباشرة مثل خسارة الإنتاج.
ولا يتعلق الأمر حتى بتداعيات الحرب التي أدخلت العراق في حرب أهلية، أو صعود الجهاديين وتقويض الرؤية الأميركية للتدخل العسكري. ولا يوجد هناك لغز أو سر تم إخفاؤه، بل على العكس، فقد استكشف الباحثون والصحافيون والمحققون كل وجه من وجوه الحرب.
السؤال بسيط: لماذا قررت الولايات المتحدة غزو العراق؟
فهل كان الهدف تحييد العراق وترسانته من أسلحة الدمار الشامل، كما زعمت إدارة بوش وتبيّن كذبها؟ وهل كان الأمر يتعلق بالشك الضمني بأن صدام حسين كان متورطاً في هجمات 11 أيلول 2001 وتبيّن عدم صحته؟ وهل كان الأمر متعلقاً برغبة في تحرير العراق ونشر الديموقراطية فيه، كما زعمت الإدارة لاحقاً؟ هل كان النفط؟ المعلومات الاستخباراتية الخاطئة؟ تحقيق منافع جيوسياسية؟ الثقة المفرطة بالنفس؟ الرغبة الشعبية لشن حرب، أي حرب، واستعادة الكرامة الوطنية؟ أو كما حدث في الحرب العالمية الأولى؛ سوء تواصل متبادل أدى لدفع الدول باتجاه النزاع؟
ويعلق ريتشارد هاس، المسؤول البارز في وزارة الخارجية أثناء الحرب: «سأذهب إلى قبري من دون معرفة السبب، ولا أستطيع الجواب عليه». والمشكلة في الحرب على العراق أنه لا يوجد هناك لغز أو سر تم إخفاؤه، بل على العكس، فقد استكشف الباحثون والصحافيون والمحققون كل وجه من وجوه الحرب.
والمشكلة التي واجهت الجميع هي تحديد الدافع الذي كان يهم أو لا يهم وأسهم في احتلال بلد في الشرق الأوسط. وما هي المصالح الأيديولوجية والاستراتيجية، وحتى البيروقراطية، التي جمعت مهندسي الحرب. وهل كان الزحف للحرب هو مجرد انحراف بدأ في 11 أيلول كما اقترح بعض المؤرخين؟. ربما لن يعثر أحد على جواب، فسبب الحرب العالمية الأولى لا يزال محلاً للنقاش بعد قرن على انتهائها، ونفس الأمر ينسحب على فيتنام والحرب الكورية.
كل هذا يعطي صورة عن وضع غير مريح، فالقرارات التي غيّرت التاريخ عادة ما دفعت من اتخذوها إلى عمليات وفهم معقد ليس واضحاً حتى على المشاركين فيها. وربما مات مئات الآلاف في الحرب، وانزلق بلد في حرب أهلية من دون أن يعرف أحد السبب.
وبعد عشرين عاماً، فإننا اقتربنا من معرفة السبب من خلال عدة نظريات، متداخلة أحياناً، وتحقيقات لا تهتم بالماضي بقدر ما تركز على المستقبل. وتقول إليزابيث سوندرز، من جامعة جورجتاون: «لو أردت منع حدوث هذا مرة أخرى، فأنت بحاجة إلى تشخيص الوضع بشكل جيد». والسؤال الأهم يتعلق بإيمان الإدارة الأميركية بمبررات الغزو، أم أنها قامت بهندستها كذريعة؟
فقد كشفت شهادات الذين عملوا فيها عن رفض المسؤولين كميات من الأدلة التي تناقض منطقهم ومواقفهم واختيارهم. وبدأ هذا بعد ساعات من هجمات 9/11، عندما طلب مساعد وزير الدفاع في حينه، بول وولفويتز من مساعديه البحث عن أدلة تربط صدام حسين بها، وبعد أربعة أيام ناقش، في لقاء بكامب ديفيد، بأن صدام حسين كان مسؤولاً على الأرجح عنها، ودعا بوش التفكير بعمل عسكري. وقال بوش لمستشاري الأمن القومي بعد يومين: «أعتقد أن صدام متورط»، ولكنه لا يملك الأدلة بعد، وهذا ما جمعه بوب وودورد من شهادات.
كان العراق الفقير غير صالح لأن يكون منافساً للولايات المتحدة، لكن المحافظين الجدد كانوا بحاجة لعدو يظهر أن العالم لا يسير وراء أميركا.
وعندما لم يتم العثور على أدلة، بدأ المسؤولون بالحديث عن علاقته علناً، وغيّروا الرواية، مؤكدين على ملكية صدام حسين أسلحة نووية وبيولوجية وكيماوية ينوي استخدامها ضد الولايات المتحدة. ورقص الإعلام على إيقاعهم، وبالغ في المزاعم. ونعرف الآن أن مسؤولين أساؤوا فهم ما لديهم من أدلة، ولكن الأوراق ومحاضر الجلسات تظهر أنهم لم يكونوا يحاولون الترويج لفكرة تهديد الأسلحة التي كانوا يعرفون أنها ليست موجودة، ولم يتم تضليلهم بمعلومات أمنية غير صحيحة. بل تقترح السجلات أن الأمر كان تافهاً، فهناك مجموعة من المسؤولين تجمعوا معاً واتحدوا على فكرة الإطاحة بصدام حسين، كل لأسبابه الخاصة. وقال وولفويتز لمجلة «فانيتي فير»، عام 2003: «الحقيقة» هي و»لأسباب تتعلق ببيروقراطية الحكومة الأميركية، اخترنا موضوعاً واحداً اتفق عليه الجميع، وهو أسلحة الدمار الشامل كسبب جوهري». وقالت سوندرز، من جامعة جورجتاون، «كل واحد منهم كانت لديه أسبابه وتحيزاته، وساعد غياب التجربة على المستوى الرئاسي على دعم هذاالخيار». وكان موضوع أسلحة الدمار شيئاً يأمل الجميع أنه صحيح.
وفي هذا السياق كان قرار الغزو بمثابة عملية تراكمية لتحيّزات الأفراد وانهيار النظام الذي خلق زخماً له. وقال هاس: «كان نوعاً من التراكم وصل نقطة التحول»، و»لم يتم اتخاذ القرار، بل وحدث، ولكنك لا تعرف متى وكيف».
ولكن ما هو الداعي للحرب من دون أساس، يرى محللون أن صدام حسين عبّر عن رغبة بضرب أميركا، وأخفى مشاريعه لأسلحة الدمار الشامل كحيلة، وصدقته واشنطن، لكن سوء التواصل لا يعتبر تفسيراً لشنّ حرب واسعة، وبخاصة أن بغداد سمحت لمفتشي الأمم المتحدة بتفتيش المواقع العراقية. وهناك من يرى أن أميركا شعرت، بعد هجمات 9/11، بحاجة لاستعادة مكانتها.
وشكّ الباحثون بهذا المفهوم، كما شكّوا في أن الهدف من الغزو هو السيطرة على النفط العراقي. وأشار كتاب إلى أن غزو العراق لم يكن مثالاً كلاسيكياً عن محاولة السيطرة على المصادر، ذلك أن الولايات المتحدة لم تسيطر على حقول النفط للتربح منها. وعليه بدأ الباحثون بحرف النظر عن فترة 18 شهراً، ما بين هجمات أيلول إلى غزو العراق في 2003، والتركيز على عقد التسعينات من القرن الماضي، حيث تحول العراق إلى موضوع مهم في السياسة الخارجية الأميركية. وقال جوزيف ستيب، من الكلية الحربية البحرية إن فترة التسعينات كانت بمثابة الدعامة الفكرية والثقافية للحرب في 2003.
فبعد نهاية الحرب الباردة وجدت مجموعة أطلقت على نفسها «المحافظون الجدد» أهمية بقيام الولايات المتحدة باستخدام هيمنتها كقوة خير. وبعد سنوات من الإحياء الفكري، وجدَ المحافظون الجدد أنفسهم في مركز القرار بالحزب الجمهوري، فقد احتاج رئيس مجلس النواب الجمهوري نويت غينغرتش لمساعدتهم بعد هزيمة 1996، ومن أعضاء المجموعة ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وكوندوليزا رايس إلى جانب وولفويتز، وكلهم أصبحوا مسؤولين في إدارة بوش. وكان المحافظون الجدد وراء «مشروع القرن الأميركي الجديد»، وهو مركز أبحاث أصبح ناطقاً بلسان حال الجمهوريين. وأول عمل قام به المركز هو إرسال رسالة مفتوحة لبيل كلينتون جاء فيها: «ربما واجهنا تهديداً من الشرق الأوسط أكبر من ذلك الذي واجهنا منذ نهاية الحرب الباردة». وحثوا كلينتون للعمل على الإطاحة بصدام حسين. وكان العراق الفقير غير صالح لأن يكون منافساً للولايات المتحدة، لكن المحافظين الجدد كانوا بحاجة لعدو يظهر أن العالم لا يسير وراء أميركا. وفي العقد الأخير من القرن الماضي كانت هناك أمثلة قليلة مرشحة لأن تكون عدوة لأميركا. وكان العراق جذاباً للمحافظين الجدد، لأن صدام طردَ مفتشي الأمم المتحدة، والذي نظر إليه كإهانة لواشنطن وفشل لكلينتون. وعندما أضعفت الفضيحة الرئيس الأميركي ضربَ الجمهوريون ضربتهم ومرروا قانون تحرير العراق والإطاحة بصدام. ورغم رفض كلينتون لفكرة الإطاحة بصدام إلا أن من خلفه استخدمها كذريعة لضرب العراق. ولم تعد الحرب مجرد فكرة نظرية بل وعملية، ومن هنا بات المحافظون الجدد يرون في العراق ساحة لتطبيق فكرتهم عن نشر القوة الأميركية في الشرق الأوسط، فالديموقراطية ستظهر في عراق ما بعد صدام وتنتشر في كل دول المنطقة. وعندما جاء بوش إلى السلطة ملأ إدارته برموز المحافظين الجدد. ويقول ماديسون شارمان من جامعة تورنتو «كلما درست هذا، تيقنت أنها استمرارية للسياسة» التي تعود لنهاية القرن الماضي.
The post عشرون عاماً على غزو العراق ولا أحد يعرف سببه ودوافعه appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.

