في مشهد ليبي معقد، حيث تتقاطع الانقسامات السياسية والاجتماعية مع هشاشة مؤسسات الدولة، يبرز السؤال المركزي: من يستطيع مخاطبة المجتمع بما يتجاوز لغة القوة والسيطرة، ومن يمتلك رصيدًا فكريًا وأخلاقيًا يسمح له بالمساهمة في إعادة بناء ثقة الليبيين بالدولة ومسارهم المستقبلي؟ من بين الشخصيات القليلة التي تمتلك هذه المقومات يبرز الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي، ليس بوصفه فاعلًا عابرًا في المشهد السياسي، بل باعتباره شخصية متجذرة في الفكر الليبي والإسلامي الوسطي، حاضرة في كل مناحي الحياة العلمية والاجتماعية والسياسية، وقادرة على لعب دور استراتيجي في ملف المصالحة الوطنية.
الصلابي ليس مجرد عالم دين أو داعية محلي، بل مفكر ومؤرخ له حضور واسع على مستوى العالم الإسلامي الحديث. مؤلفاته تناولت التاريخ الإسلامي والسياسة والحكم، وركزت على قراءة التجربة الإسلامية بطريقة متوازنة، تجمع بين النص والتجربة، وبين الثابت والمتغير. من أبرز هذه المؤلفات: “الدولة المدنية الحديثة”، الذي عرض فيه تصورًا متقدمًا للدولة والحكم وفق مقاربة مدنية وإسلامية متوازنة، وكتابه حول المصالحة الوطنية في ليبيا، الذي قدم فيه رؤية شاملة لإدارة الصراعات الاجتماعية والسياسية بما يضمن استقرار الدولة واحتواء الانقسامات، إلى جانب مؤلفات أخرى تؤكد الاعتدال والوسطية في الفكر الإسلامي، مثل كتبه حول الفكر السياسي الإسلامي وإدارة الاختلافات.
انتشار مؤلفاته واعتمادها كمراجع في مؤسسات تعليمية وبحثية عربية وإسلامية، إلى جانب توليه منصب الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، منحاه مكانة علمية مرموقة وشبكة علاقات واسعة تمتد عبر العالم الإسلامي، ما يعزز قدرته على لعب دور وسيط دولي ومحلي دون أن يكون تابعًا لأية أجندة خارجية، بل كقناة اتصال موضوعية ومصداقية عالية. من خلال هذا الدور، أصبح الصلابي نموذجًا للإسلام الوسطي الذي يجمع بين الانتماء الديني والوعي بالواقع السياسي والاجتماعي.
في السياق الليبي، يتجاوز حضوره العلمي مجرد المرجعية الفكرية إلى حضور سياسي واجتماعي ملموس. منذ السنوات التي سبقت الثورة، كان الصلابي من المشاركين الفاعلين في مسار المراجعات الفكرية مع الجماعات الإسلامية، حيث سعى إلى تقديم نموذج للحوار بدل الصدام، والعمل على نزع فتيل العنف من المجتمع الليبي. هذا التاريخ أكسبه ثقة واسعة لدى أطراف متعددة، سواء من النخب السياسية أو الاجتماعية، وهو ما يجعل منه شخصية قادرة على تجاوز الانقسامات الجهوية والمناطقية بلغة حيادية وواقعية.
من أبرز سماته أيضًا أنه كان من أوائل الأصوات الليبية التي دعت إلى المصالحة الوطنية عقب اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير، وقبل مقتل القذافي، في وقت كان المزاج العام مشحونًا بالانتقام والاقتتال، وكانت الدعوة إلى التوافق تبدو كخيار صعب وغير شائع. رسالته كانت واضحة: إسقاط النظام وحده لا يضمن بناء الدولة، وأن غياب المصالحة المبكرة سيؤدي إلى صراعات طويلة الأمد قد تعيق تأسيس أي سلطة مركزية قادرة على ممارسة الحكم بفعالية. هذه الرؤية لم تكن مجرد شعارات، بل امتدادًا لمسار طويل من الانخراط الفكري والسياسي، حيث كان الصلابي من الذين سعوا لتحويل الخلافات من منطق الصراع العسكري إلى منطق الحوار والتفاهم، مؤكدًا أن الحلول المستدامة تتطلب مراعاة الواقع الاجتماعي والسياسي، والاحتكام لإرادة الشعب الليبي.
يمثل الصلابي نموذجًا نادرًا في ليبيا المعاصرة؛ فهو يجمع بين الفكر العلمي والمصداقية الاجتماعية، بين الخبرة التاريخية والفهم العميق للساحة الليبية، وبين شبكة علاقات واسعة داخليًا وخارجيًا. علاقاته داخل ليبيا تمتد عبر طيف واسع من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والقادة المجتمعيين، ما يتيح له قدرة غير مسبوقة على التواصل مع مختلف الأطراف، أما علاقاته الدولية فهي تمنحه قدرة إضافية على دعم المسار الوطني بالمشورة والمساعدة الفنية دون أن يكون طرفًا في الصراع. هذه الميزة تجعل منه شخصية توافقية ذات مصداقية، قادرة على تقديم حلول عملية، وليس مجرد خطاب شعاراتي.
ويظل الأهم في شخصية الصلابي موقفه الواضح من السلطة والجاه السياسي، فهو لم يسعَ يومًا للسلطة أو النفوذ، وهو ما ينعكس في عبارته الشهيرة: “من المحبرة إلى المقبرة”، التي تعبّر عن رؤية واضحة لدور المفكر والعالم، باعتباره شاهدًا وناصحًا، لا طامحًا للمنصب أو النفوذ. في بيئة ليبية يغلب عليها النزاع على المناصب، يمنح هذا الموقف الشخصي للصلابي مصداقية استثنائية، ويؤهله لأن يكون حلقة وصل بين المجتمع والسياسة، وبين الإرادة الشعبية والفاعلين السياسيين، بعيدًا عن الانتماءات المصلحية الضيقة.
وجود شخصية مثل الصلابي في موقع قيادة ملف المصالحة الوطنية يمنح هذا الملف بعدًا استراتيجيًا حقيقيًا، ويعطي المبادرة فرصة أكبر للنجاح مقارنة بأي جهود سابقة، فهو يمثل مزيجًا فريدًا من العلم، والخبرة العملية، والحضور الاجتماعي، والعلاقات الدولية. ومع ذلك، يظل نجاح أي مسار مصالحة مرتبطًا بالاستعداد الفعلي للأطراف السياسية المتنازعة لتقديم تنازلات، وبقبول الشعب الليبي كمرجع أساسي، فالمصالحة في ليبيا ليست مسألة وسطاء، بل اختبار حقيقي لإرادة الدولة والمجتمع في تجاوز سنوات الانقسام والاقتتال، وبناء دولة تعتمد على الحوار، القانون، والاعتراف المتبادل، بعيدًا عن منطق القوة والاستحواذ.
الشيخ علي الصلابي لا يمثل مجرد شخصية توافقية أو داعية علمي، بل هو مثال حي على إمكانية التوازن بين الفكر والسياسة، بين الرصيد العلمي والحضور الاجتماعي، وبين الاعتدال الديني والواقعية السياسية. دوره في المصالحة الوطنية قد يكون أحد آخر الجسور الممكنة لإعادة ليبيا إلى مسار الاستقرار، حيث يجتمع العلم بالسياسة، وتُطرح الحلول الوطنية بعيدًا عن صراعات النفوذ والسلطة، مع التأكيد أن نجاح هذه المبادرة لن يتحقق إلا بإرادة حقيقية من المجتمع والسياسيين على حد سواء، استعدادًا لتحمل تكلفة إنهاء الانقسام وبناء دولة جامعة.


