فخ ثيوسيديدس: دعوة لتفادي الصدام أم استنزاف للهيمنة؟
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

عندما استشهد الرئيس الصيني شي جين بينغ بـ”فخ ثيوسيديدس”، وهو المصطلح التاريخي الذي يشير إلى احتمال الحرب عندما يهدد صعود قوة ناشئة مكانة القوة المهيمنة، أمكن قراءة ذلك بوصفه استشرافاً استراتيجياً محسوباً أكثر منه مجرد دعوة لتجنب الصدام مع الولايات المتحدة. فقد بدا وكأنه يضع الغرب أمام مرآة تاريخه، انطلاقاً من افتراض أن الإمبراطوريات الآفلة نادراً ما تتنازل عن مكانتها طوعاً، وأن احتمال الصدام قائم، فيما سيحدد توقيته وكيفية إدارة رقعة الصراع ملامح النظام العالمي القادم.

وإذا كانت الصين تدرك أن هذا الصدام قائم لا محالة، فقد وجدت في حرب إيران الأخيرة ساحة يمكن من خلالها إدارة هذه الحتمية بدل استعجالها، بل ربما رأت في استمرار الاشتباك المحدود مصلحة تتيح لها ضبط إيقاع المواجهة دون أن تتحمل هي كلفتها المباشرة. أما الولايات المتحدة، فقد دخلت هذه الحرب وهي تراهن على حسم خاطف يفرض معادلة صفرية واضحة على طهران، لكنها وجدت نفسها متورطة في مواجهة أطول وأكثر تعقيداً مما خططت له، عاجزة عن فرض تلك المعادلة التي دخلت الحرب على أساسها. أما أوروبا، فلم تتعاون فعلياً مع واشنطن في حرب إيران ولم تُسهم فيها بما كان يمكن أن يخفف العبء الواقع على الكاهل الأمريكي، إلا أنها في المقابل لم تتزحزح قيد أنملة عن هدفها الخاص في إضعاف روسيا واستنزاف قدراتها، في مواجهة تتخطى حساباتها الآنية لتلامس طموحاً أوروبياً أعمق: استعادة مكانتها التاريخية المهيمنة.

وهذه الإدارة الهادئة لوتيرة الصدام المرتقب، التي بدت في موقف الصين من حرب إيران، ليست موقفاً عابراً بقدر ما تعكس منهجاً أعمق تتبناه بكين إزاء هذا الصدام برمّته: صبر يستمد جذوره من عمق حضاري لا يقيس الزمن بمنطق الأزمة الآنية، وتفضيل واضح للتدرج على المواجهة المباشرة. فالمناوشات المستمرة في المنطقة، وإن لم تهدف إلى حسم عسكري، تخدم هذا المنهج تحديداً؛ إذ تُسهم في تآكل تدريجي لهيبة الردع الأمريكية دون أن تضطر الصين لدفع أي كلفة مباشرة أو التخلي عن أفقها الزمني الممتد. ويتزامن ذلك مع عجز واشنطن، أو على الأقل محدودية قدرتها، على لجم حليفها الأكثر انخراطاً في المنطقة، إسرائيل، التي تحمل أطماعاً توسعية معلنة. وقد يبعث ذلك برسالة مقلقة إلى حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، مفادها أن المظلة الأمريكية لم تعد تتمتع بالثبات ذاته، الأمر الذي قد يدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل استراتيجية أكثر توازناً، مستفيدين من الصعود الصيني الهادئ.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية تنبهت، ولو متأخرة، إلى هذا الفخ المحتمل، مدركة أن الانشغال بتفاصيل الشرق الأوسط يستنزف قدرتها على الاستدارة نحو آسيا. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم محاولاتها التوصل إلى اتفاقيات إطار مع إيران، وإن بدت هشة ومؤقتة، باعتبارها سعياً إلى تهدئة الجبهات مرحلياً، وتأمين مساحة يلتقط فيها الاقتصاد الأمريكي، وربما الاقتصاد العالمي، أنفاسه، ريثما تتوافر ظروف أكثر ملاءمة للتعامل مع التحدي الصيني. وتدرك واشنطن أن احتواء الصعود الصيني يرتبط، في جانب منه، بالسيطرة على إيران، وعلى طرق التجارة البحرية ومنابع الطاقة، خاصة أن التفوق العسكري المباشر على بكين لم يعد بالمهمة السهلة. فالصين لا تمتلك فقط قوة تصنيعية هائلة، بل تهيمن أيضاً على حصة كبيرة من سلاسل توريد المعادن النادرة اللازمة للصناعات العسكرية حول العالم، إلى درجة أن البنتاغون يعتمد عليها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في بعض مكونات منظوماته العسكرية، وهو ما قد يجعل أي انقطاع واسع لهذه الإمدادات عاملاً معطلاً لجزء مهم من آلة الحرب الأمريكية.

وقد أضافت حرب الأربعين يوماً الأخيرة مع إيران بُعداً جديداً للحسابات الغربية، إذ أحدثت تحولاً ملحوظاً في فهم طبيعة القوة العسكرية الحديثة. فقد أظهرت هذه المواجهة أن الأسلحة التقليدية فائقة التطور والتكلفة، من طائرات شبحية وحاملات طائرات ومنظومات دفاعية باهظة الثمن، قد لا تتمتع دائماً بالحسم المتوقع أمام أسراب من الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة ذات الكلفة المنخفضة نسبياً. كما أظهرت أن هذه المنظومات الأرخص قادرة، في ظروف معينة، على إحداث أثر عملياتي يفوق ما توحي به كلفتها، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل التفوق العسكري الغربي الذي استمر لعقود. ومع ذلك، فإن هذه المنظومات تعتمد بدورها على الفئة نفسها من المعادن النادرة، مثل النيوديميوم المستخدم في المغناطيسات الدائمة، وأشباه الموصلات المستخدمة في أنظمة التوجيه، وإن كانت تتطلب تقنيات أبسط، الأمر الذي قد يزيد الطلب التراكمي على هذه الموارد بدلاً من أن يحد منه.

وقد يكون هذا التحول قد دفع بعض الدول الأوروبية إلى استغلال حاجة الولايات المتحدة للحفاظ على تفوقها الاستراتيجي، عبر مقايضة غير معلنة، تقوم على إتاحة القواعد العسكرية والجغرافيا الأوروبية لدعم أي تحرك أمريكي تجاه إيران، مقابل تعزيز الدعم الأمريكي للطموح الأوروبي في إضعاف روسيا واستنزاف قدراتها والاستفادة، بصورة أو بأخرى، من مواردها. غير أن هذه المقايضة قد تنطوي على حسابات غير مكتملة؛ إذ إن استنزاف الموارد الأمريكية في مواجهة روسيا قد يسرّع، من بين عوامل أخرى، من اقتراب المواجهة الكبرى مع الصين، وهي مواجهة قد لا تدخلها الولايات المتحدة من موقع الأفضلية الواضحة، في ظل التراجع النسبي للقاعدة الصناعية الغربية، وهيمنة بكين على أجزاء واسعة من سلاسل توريد المواد الخام الحيوية للصناعات العسكرية. وإذا صح هذا التقدير، فقد لا يكون ما نشهده اليوم مجرد سلسلة أزمات إقليمية متفرقة، بل مرحلة انتقالية تعيد تشكيل ميزان القوة العالمي، وتفتح الباب أمام نهاية تدريجية لمرحلة الهيمنة الأحادية التي أعقبت الحرب الباردة.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات