قراءة في قرار انسحاب الإمارات من أوبك وأوبك+
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

شكل إعلان الإمارات العربية المتحدة عن خروجها من منظمة أوبك ومن تحالف أوبك+ خطوة مفاجئة وتحول لافت في مسار سياسات الطاقة الإقليمية والدولية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل المنظمة ودورها في سوق الطاقة العالمية. ويأتي قرار الإمارات في سياق بالغ الحساسية بالنسبة لأسواق النفط العالمية ومنطقة الخليج على حد سواء، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب على إيران.

خاصةً وأن التحديات الأمنية التي تشهدها منطقة الخليج تتزامن مع تحولات متسارعة في الصناعة النفطية والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، حيث تسعى الدول المنتجة إلى الحد من ارتفاع الأسعار العالمية نتيجة لاختلال التوازن بين العرض والطلب، لا سيما عقب إغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار وتعزيز العائدات، وسط تحديات متزايدة جراء تباطؤ الطلب العالمي.

أوبك بداية النهاية؟

وتأتي الخطوة الإماراتية بعد نحو 59 عامًا من التعاون مع منظمة أوبك، التي انضمت إليها عام 1967 من خلال إمارة أبوظبي، لتمثل إعادة تموضع محسوبة، تهدف إلى توسيع هامش القرار السيادي فيما يتعلق بتوسيع استثماراتها وتطوير القطاع وسياسات الإنتاج، وتعزيز استراتيجيتها النفطية والاقتصادية المستقلة في أسواق الطاقة العالمية.

وعلى الرغم من تأكيد الإمارات استمرارها في الالتزام بدعم استقرار الأسواق العالمية، إلا أنه لا بُد من أن ينعكس انسحابها سلبًا على الأسواق على المدى البعيد، وسيؤدي إلى خفض الأسعار نتيجة سياسات إنتاج أكثر مرونة يُمكن أن تنتهجها، مما سيضطر أوبك إلى خفض إنتاجها لكي تحافظ على الأسعار، وهي خطوة ستثير مزيدًا من الخلافات بين أعضائها.

ومن الجدير ذكره أن أبوظبي تعمل منذ سنوات على زيادة طاقتها الإنتاجية، وهو ما اصطدم بسقف الحصص الذي اعتمدته أوبك وتحالف أوبك+ للحيلولة دون انخفاض الأسعار، الأمر الذي جعل الانسحاب خيارًا أكثر انسجامًا مع استراتيجيتها البعيدة المدى الهادفة إلى زيادة إنتاجها إلى 5 ملايين برميل في عام 2027، بينما يقتصر إنتاجها حاليًا على حوالي 3.6 ملايين برميل يوميًا.

ومن المرجح أن ينعكس خروج أبو ظبي كأحد أبرز منتجي النفط في الخليج العربي من أوبك سلبًا على تماسك المنظمة ويُضعف سيطرتها على الأسواق وقدرتها على إدارتها، مما قد يُؤثر على توازناتها الداخلية ويُشكل بداية نهايتها، خاصةً في ظل تباين مصالح الدول الأعضاء والخلافات المتكررة حول الحصص ومستويات الإنتاج.

افتراق اماراتي سعودي

وينعكس قرار الإمارات بالخروج من أوبك سلبًا على علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، التي غالبًا ما تقود جهود ضبط السوق عبر خفض أو رفع الإنتاج. ويُظهر إلى العلن الخلافات التي تصاعدت بين البلدين، لا سيما ما يتعلق بالملفين اليمني والسوداني.

كما يضع قرار انسحاب الإمارات العربية المتحدة من أوبك المملكة في مواجهة شريك إقليمي رئيسي يتحرك وفق إيقاع أكثر استقلالية، الأمر الذي قد يفضي إلى تباين في المواقف خلال فترات تقلب الأسعار، فضلاً عن أنه يُعزز في الوقت ذاته التنافس غير المعلن بين البلدين على تبوؤ المركز المالي والاقتصادي الإقليمي في الخليج العربي.

مصلحة أميركية؟

ويرى محللون أن في قرار الإمارات الخروج من أوبك مصلحة للولايات المتحدة وقد تستفيد منه بطرق مختلفة، تتمحور معظمها حول تراجع التماسك والتنسيق بين الدول المنتجة، الذي كان يمنح أوبك قدرة أكبر على التحكم في السوق. وهو يسهل على الولايات المتحدة التعامل مع الدول المنتجة بشكل ثنائي، ويعزز قدرتها على بناء شراكات منفردة تخدم مصالحها.

كما يُشكل خروج الإمارات من أوبك مكسبًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كونه قد يؤدي إلى زيادة المعروض النفطي مما يضمن أسعارًا مستقرة، ويقلل من فعالية سياسات خفض الإنتاج. علمًا أن ترامب سبق أن وجه انتقادات حادة لأوبك، معتبرًا أن سياساتها تسهم في رفع أسعار النفط، واتهمها باستغلال بقية العالم من خلال التحكم في أسواقه.

من البترو دولار إلى البترو يوان؟

في المقابل، ثمة من يرى أن خروج الإمارات من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ يُمثل تهديدًا جوهريًا لنظام البترو دولار، الذي كان لأوبك الدور الأساسي في ترسيخه والمحافظة عليه منذ تأسيسها عام 1960. فطالما باع منتجو الشرق الأوسط نفطهم بالدولارات الأميركية، التي يعودون فيوظفونها في سندات الخزانة الأمريكية، ما منح واشنطن سيطرة شبه تامة على نظام التمويل العالمي.

أما اليوم، فإن حصة الدولار الأميركي من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية قد انخفضت إلى نحو 57%، وهي أدنى مستوى لها منذ 25 عامًا، بعد أن بلغت ذروتها عند 75% في عام 2001. وإذا استمر هذا الانخفاض، فإن البنية التي منحت الولايات المتحدة السيطرة على سوق الطاقة العالمية ومعاملاتها المالية ستنهار أمام أعينها.

وتجدر الإشارة إلى أن القرار الإماراتي جاء بعد أيام قليلة من إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بسنت أمام مجلس الشيوخ دعمه إقامة خط مبادلة طارئ للدولار الأميركي مع حكومة أبو ظبي، الأمر الذي يعتبره مراقبون أنه ليس من قبيل الصدفة، لكونه يأتي في توقيت يواجه فيه نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تحديات غير مسبوقة، ويُثير التساؤلات حول توافقه مع المصلحة الأميركية.

ويُحذر خبراء اقتصاديون في Deutsche Bank من أن خروج الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك يُسرّع من هذا الانهيار، ويزيد من احتمالية تسعير بعض معاملات النفط باليوان الصيني في حال تراجع الدولار. خاصةً وأنه سبق أن أعلنت بورصة شنغهاي للبترول والغاز الطبيعي، في 28 آذار/مارس عام 2023، عن تسعير شحنة من الغاز الطبيعي المسال المستورد من الإمارات باليوان الصيني.

وفي الوقت الذي تبيع فيه إيران حصة متزايدة من نفطها إلى الصين باليوان، يُسرع الصراع معها بحسب رأي الخبراء أنفسهم في Deutsche Bank، في وتيرة تآكل هيمنة نظام البترو دولار في سوق الطاقة العالمية، بما يمهد تدريجيًا لصعود أنماط تسعير بديلة، وفي مقدمتها لصالح البترو يوان.

 المحصلة

إن قرار خروج الإمارات العربية المتحدة من أوبك وأوبك+ لا يمثل مجرد إجراء تقني في إدارة الإنتاج، بل هو تحول استراتيجي عميق في بنية إدارة سوق الطاقة العالمي. فهو يعكس انتقال الدول المنتجة، وعلى رأسها الإمارات، نحو سياسات أكثر استقلالية ومرونة في إدارة مواردها، بما يتلاءم مع مصالحها الوطنية وقدراتها الإنتاجية المتنامية. كما يكشف القرار عن إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، خاصة علاقة الإمارات العربية المتحدة مع المملكة العربية السعودية.

وفي حين يمنح القرار الإماراتي الولايات المتحدة هامشًا أوسع للمناورة نتيجة إضعاف منظمة أوبك والحد من قدرتها على ضبط السوق، وزيادة حدة التنافس بين المنتجين، فإن القرار، وعلى المستوى الدولي الأوسع، قد يُسرّع من تراجع هيمنة البترو دولار، ويفتح المجال تدريجيًا أمام بدائل، لا سيما منها اليوان الصيني، في سياق تحولات أعمق في النظام الاقتصادي العالمي.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات