
بقلم عماد الدين أديب
«اساس ميديا»
تدير تركيا منطقة كاملة تُستخدم فيها العملة التركية، وتتمّ فيها الممارسات التجارية وتبادل البضائع والمعاملات الرسمية باللغة التركية، ويحفظ الأمن فيها الجيش التركي وكأنّها منطقة من تركيا داخل الأراضي السورية.
في سوريا مناطق نفوذ كرديّة تنتشر فيها قوات كردية تسنّ القوانين وتحفظ الأمن، ويتمّ فيها التحضير لإنشاء جزء جغرافي كردي مستقلّ تماماً عن سيادة الدولة الوطنية.
يبدو رئيس الجمهورية في سوريا وكأنّه، في حقيقة الأمر وطبقاً للواقع، رئيس العاصمة دمشق وبعض أطراف بعض المدن القريبة فقط!
اليمن: حتمية الجغراسيا
يُعتبر اليمن من ناحية الجغرافيا السياسية واحداً من أصعب وأعقد التضاريس الجغرافية التي تمنع قيام تجانس سكاني ممتد، وتُعطى السيطرة الاستراتيجية فيه لمن يسيطر على الجبال والمرتفعات ومنافذ السواحل.
عاش اليمن تحت الحكم العثماني من العام 1539 حتى 1634 من دون أن تستقرّ للعثمانيين السيطرة طوال تلك الفترة على المرتفعات الشمالية التي تنطلق منها الهجمات الدائمة من أنصار الأئمّة، بينما انحسرت سيطرتهم في مناطق «زبيد والمخا».
في فترة حكم الرئيس الراحل علي عبدالله صالح فُرضت بقوّة السلاح سيطرة أهل الشمال على أهل الجنوب.
لم يكن هدف علي صالح السيطرة بهدف التوحيد، لكن كان هذا العسكري السابق يريد تنصيب نفسه إماماً بلقب رئيس جمهورية، وحوّل نفسه إلى أكبر رجل أعمال يمارس الفساد السياسي مستفيداً هو والحلقة القريبة منه من المال العامّ.
عرض نفسه في أول الأمر على الملك فهد وأقسم له بالولاء، ثمّ باع الخليج بالتآمر مع صدّام في غزو الكويت، ثمّ عاد وبكى تحت أقدام الملك فهد طالباً الصفح، وعندما انقطع «الدعم السعودي والخليجي له شخصيّاً» استغلّ هذا الأمر في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز وفتح الباب بقوّة للمال والنقود وفكر التتبيع السياسي لإيران.
بعدها قفز أنصار «الفكر الحوثي» من 50 ألفاً إلى ما يجاوز خمسة ملايين، وتحوّلت الحوثيّة من دعوة مذهبية سلميّة إلى حزب سياسي وميليشيا يشبه نظامها نظام الحرس الثوري. وأعلن المذهب الزيدي للحركة الولاء الكامل لولاية الفقيه، وأصبح الولاء لطهران أهمّ من الولاء للوطن.
المشتركات اللادولتية
المشترك في كلّ مشروعات «اللادولة» في العالم العربي هو الدور التآمري الواضح للدول الشرق أوسطية غير العربية (إيران، تركيا، إسرائيل).
تمثّل الدولة الوطنية القويّة تهديداً صريحاً ومباشراً للمشروع الفارسي الطائفي الإيراني، والمشروع العثماني المرتدي رداء الإسلام السياسي، والمشروع الصهيوني الإسرائيلي الذي يهدف إلى سيادة الدولة العبرية عبر السيطرة الاقتصادية والدرع النووي والتقدّم العسكري.
ثلاثتهم مشروعات ترى وجود تكتّل عربي عصري قويّ متماسك تهديداً لها.
ثلاثتهم يرون أنّ الغنيمة الكبرى هي المال والنفط والثروات العربية والموارد الطبيعية والموقع الاستراتيجي المنفتح على شرق المتوسط والبحر الأحمر ومنافذ التجارة العالمية من قناة السويس إلى باب المندب.
ثلاثتهم يشجّعون كلّ المشروعات التي تقسّم الأنظمة والشعوب العربية أفقياً وعامودياً وطبقيّاً ودينيّاً وطائفياً ومذهبياً.
بالطبع لا تقع مسؤولية أيّ مؤامرة بالدرجة الأولى على صاحب المؤامرة، لكن تقع على من يقبل طواعية بتقديم رأسه على طبق من ذهب من خلال المشاركة المجّانية في الانقسام والتشرذم من أجل مصالح طائفية ومصالح فساد.
الاستقواء بأيّ مشروع غير عربي يعني ببساطة انتحار حلم السذّج سياسياً، أمثالي. هؤلاء الذين يؤمنون بأنّ مستقبل العرب لا يصنعه سوى العرب.
تعطيل الحكومات… لهدم الدول
باختصار شديد لا مشروع عربياً حقيقياً من دون الحفاظ على مشروع الدولة الوطنية في المنطقة.
من هنا ليس من قبيل الصدف في السنوات الأخيرة أن تنشأ محاولات لتعطيل تشكيل الحكومات والمؤسّسات في كلّ من لبنان والعراق والسودان وفلسطين وتونس.
وليس مصادفة أن تأتي محاولات إسقاط مشروع الدولة في مصر والسودان وتونس وسوريا والجزائر والعراق تحت دعوى الربيع العربي.
وليس مصادفة اكتشاف خلايا من جماعات الإسلام السياسي في كلّ من السعودية والكويت والإمارات وتونس ومصر تهدف إلى إسقاط الحكم. من هنا تصبح مقولة الفيلسوف فرانسيس بيكون شديدة الأهميّة الآن حينما نتذكّرها في هذا المقام.
قال بيكون إنّ «من أخطر الأمور على أيّ دولة الخلط بين المفاسد الشخصية وبين مصالح الدولة العليا».
وقبل أن نتّهم غيرنا بالتآمر أو بتحمّل مسؤولية عن المخاطر والصراعات والانهيارات التي تعيشها دولنا يجب أن نقول إنّ «الظلم والفقر هما سببان رئيسيان لانهيار أيّ دولة وسقوط أيّ حضارة على مرّ التاريخ».
إنّه تلاقي مصالح بين فكر ميليشياوي طائفي محلّي مرتبط بقوى إقليمية غير عربية تخدم مصالح دولية في عالم مرتبك يصارع من أجل إعادة تشكيل مراكز النفوذ.
The post لا مشروع عربيّاً بدون دول وطنيّة! – 2 appeared first on جريدة الشرق اللبنانية الإلكترونيّة – El-Shark Lebanese Newspaper.



