بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ، بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ. أَيُّ عيدٍ ولبنان مثقلاً بما يكفي ليجعل الاحتفال مجرّد واجب بروتوكولي لا يلامس حقيقة الواقع. فبعد اثنين وثمانين عامًا على تحرّر البلاد من الانتداب الفرنسي في ٢٢ تشرين الثاني ١٩٤٣، يجد اللبناني نفسه أمام سؤال أكثر مرارة من أي وقت مضى: ما معنى الاستقلال في وطنٍ فقد استقلال قراره، وقوّة قضائه، وحقوق مواطنيه؟
إنّ الاستقلال الحقيقي الذي يحتاجه لبنان اليوم لا يُقاس بعدد السنوات، ولا يُختصر بعرضٍ عسكري أو خطاب رسمي، لم يعد احتفالًا بل لحظة صادقة للمحاسبة. لحظة يسأل فيها المواطن اللبناني: كيف يمكن إعادة بناء دولة تحترم مواطنيها قبل أن ان تطلب منهم الولاء لوطن؟ أين ذهبت الوعود؟ ولماذا صار الوطن منصة لمصالح الداخل والخارج؟ لقد صار الفساد احتلالًا داخليًا أقسى من أي غزو، لأنه يسرق من المواطن كرامته ،لقمة عيشه ومستقبله دون أن يُطلق رصاصة.
عيدٌ بلا فرح! وسيادة بلا دولة! ومسؤولون بلا ضمير! كيف يُمكن لبلدٍ أن يفاخر باستقلاله فيما جنوبه يحترق يومياً، اقتصادُه منهك، وقضاؤه محاصر بالضغوط، ومصارفه محصّنة بمظلةٍ سياسية تحمي المتورطين وتُبقي المودعين أسرى الوعود الفارغة؟ فالعدوّ يعتدي من الجنوب، والسياسيّ ينهب من الداخل، والمواطن يرزح بين فشل الدولة وفساد المصارف وانهيار العملة.
كأنّ الاستقلال الذي حُقّق بالأمس أصبح اليوم سؤالًا مؤلمًا: هل تحرّر الوطن فعلا أم استُبدل الاحتلال الخارجي بفسادٍ داخلي.
فالبلد الذي رفع الأعلام عام 1943 احتفالاً بالسيادة، يرفعها اليوم فوق دولةٍ متداعية، تكاد تسقط تحت ثقل الفساد والانهيار. الجنوب ما زال على خط النار، يواجه الاعتداءات في معركة صمود طويلة لا تزال تستنزف أهله وموارده. وفي الداخل، تنهمك الطبقة السياسية بصراعاتها الضيقة ومصالحها الخاصة خصوصاً واننا مقبلون على الانتخابات النيابية، وكأنّها تعيش في جزيرة الاحلام منفصلة عن وجع الناس. أما اللبنانيون، فيقفون وسط هذا المشهد كمتفرجين على وطنٍ يتهاوى، بعدما صاروا أسرى أزمة مالية لم يعرف العالم لها مثيلاً.
ستّ سنوات مرّت على حجز الودائع، على سرقة جنى تعب الشعب اللبناني المقيم والمنتشر، ولم يُحاسَب مسؤول واحد. المصارف محصّنة بالسلطة، والسلطة محصّنة بالعجز والتواطؤ، والمودع محاصر بين الأبواب المقفلة والوعود الفارغة. إنها ليست أزمة اقتصاديّة وحسب، بل صفعة لوَجه الدولة ومعنى وجودها. فكيف يمكن لمواطنٍ أن يشعر بانتمائه إلى وطنٍ لا يستطيع أن يؤمّن له حقّه المشروع في ماله؟ فكيف يمكن لمواطنٍ أن يشعر باستقلال وطنه، وهو عاجز عن سحب ماله، أو تأمين دوائه، أو دفع قسط مدرسة أطفاله؟ وما قيمة السيادة إذا كان القضاء فاسداً ومسيساً، خاضعًا للضغوط، والعدالة مرتبطة بحسابات السياسيين، والقرارات المالية تُتّخذ على حساب الناس؟
إنّ لبنان، بعد اثنين وثمانين عامًا على الاستقلال، يبدو وكأنه يعيش استعمارًا جديدًا، من خلال الاجنحة الخارجية التي تعمل لمصالحها واستعمارًا من الداخل، تمارسه منظومات الفساد والمحاصصة والارتهان. فالمستعمر القديم كان واضحًا ومكشوفًا، أما المستعمر الحالي فهو متخفٍ في عباءة السلطة، يمارس احتلاله عبر تعطيل المؤسسات ونهب المال العام وخنق المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
ومع ذلك، ليست الصورة قاتمة بالكامل. ففي كل أزمةٍ عاشها لبنان، كان الشعب هو مصدر النور الوحيد. اليوم أيضًا، يرفض اللبناني الاستسلام لرواية الانهيار، يقاوم الغلاء بعملٍ مضاعف وصبرٍ لا ينفد. وفي الشارع، يرفع العلم لا تكريمًا لسلطة غائبة، بل إيمانًا بوطن يستحق أن يُنقذ.
لبنان يحتاج إلى استقلال ثانٍ: استقلال من الفساد، الطائفية والمحاصصة، التدخل السياسي في القضاء، ومن الإفلات من العقاب. استقلال حقيقي ومسؤولون يعرفون أن السلطة خدمة وليست إرثًا. وكتل نيابية تتنافس على انجازاتها لا على عديدها. استقلال يعيد الكرامة للمواطن، وهيبة الدولة للحياة العامة. الطريق طويل وشاق، لكن الشعب الذي حرّر الأرض قادر على تحرير المؤسسات وإعادة بناء وطنه.
وفي النهاية، سيظلّ لبناننا الحبيب رغم كل جراحه وطنًا يأبى أن يموت. فكلما سقط، نهض، وكلما ضاقت عليه الأزمات، خرج منه جيل جديد يحمل الأمل. وربما يكون هذا الإصرار هو المعنى الحقيقي الوحيد للاستقلال. ذلك الاستقلال الذي لن يتحقق بخطاب على المنبر، بل بعملٍ يومي يعيد للوطن روحه وللناس ثقتهم.
عشتم وعاش لبنان الابي الازلي الصامد سيداً على أرضه!
و عاش الشعب اللبناني البطل الرافض للاستسلام، والمتمسّك بالكرامة!


