في لحظة يُعاد فيها رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبدو ليبيا واحدة من أكثر الساحات تأثرًا بتقلّبات الجغرافيا السياسية العالمية. فالبلاد التي تعيش انسدادًا سياسيًا مزمنًا، وانقسامًا مؤسساتيًا متجذرًا، أصبحت عالقة بين تنافس إقليمي متحوّل وتراجع واضح في قدرة المؤسسات الدولية على فرض مسار تسوية فعلي. ومع ذلك، يكشف المشهد الراهن عن فرصة سياسية نادرة: تحوّل القاهرة إلى لاعب قادر—وربما الوحيد—على إعادة هندسة مسار الحل في ليبيا، إذا استطاعت استثمار لحظة إعادة التوازنات الحالية.
الملف الليبي لم يعد مجرّد صراع داخلي بين حكومتين أو انقسام في المؤسسات السيادية؛ بل أصبح مرآةً لتحوّلات أوسع في المنطقة. فأنقرة، التي كانت قبل سنوات طرفًا منحازًا بوضوح، باتت تعتمد نهجًا براغماتيًا أكثر، منفتحة على الشرق والغرب على السواء، مستندة إلى مصالح أمنية واقتصادية في الطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد. أما الدوحة وأبوظبي، اللتان كانتا تقفان على طرفي نقيض في الملف الليبي، فقد اتجهتا نحو مقاربة أكثر توازنًا، بعدما بات استقرار ليبيا جزءًا من معادلة استقرار إقليمي أشمل.
على الجانب الأوروبي، تراجع حضور فرنسا وإيطاليا في المشهد الليبي أمام أولويات أكثر إلحاحًا—الطاقة، الهجرة، الحرب في أوكرانيا—بينما تبنّت الولايات المتحدة سياسة مراقبة أكثر منها سياسة انخراط مباشر. الحصيلة أن الأمم المتحدة نفسها أصبحت تتحرك ضمن هامش محدود، وسط تباينات في مجلس الأمن، وتضارب في مواقف القوى المؤثرة، وضعف في الأدوات التنفيذية المتاحة للبعثة الأممية.
هذا الفراغ الدولي، مع امتداد حالة “إدارة الصراع بدل حله”، يخلق نافذة يمكن للقاهرة التقاطها. فقد وصلت مصر إلى لحظة نادرة من التوازن في علاقاتها مع الأطراف المؤثرة في ليبيا، وعلى رأسها تركيا وقطر والإمارات. هذا التوازن يسمح لها بتقديم نفسها كوسيط قادر على مخاطبة جميع الأطراف دون أن يُنظر إليها كطرف منحاز. كما أن استقرار ليبيا لم يعد بالنسبة للقاهرة مجرد قضية جوار، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن القومي والاقتصادي، خصوصًا في ظل التحولات التي تشهدها منطقة الساحل والتوسع الروسي جنوبًا.
لكن الدور المصري المحتمل لن يكتسب زخمه الكامل ما لم يُعاد تعريف جوهر الأزمة الليبية نفسها. فالرهان على تغيير الحكومات أو إنتاج نخبة سياسية جديدة أثبت مرارًا أنه لا يقود إلى نتيجة. مكمن الأزمة هو ازدواج المؤسسات—في المال والدفاع والأمن والرقابة—وهو ازدواج لا يمكن تجاوزه دون اتفاق إقليمي صلب يفرض على الأطراف الليبية مسارًا تدريجيًا لتوحيد هذه المؤسسات. هذا المسار هو ما يمنح أي تسوية سياسية لاحقة طابعها الإلزامي، ويخرجها من منطق التفاهمات الظرفية إلى منطق الدولة الواحدة.
اقتصاديًا، تبتعد ليبيا تدريجيًا عن حالة “الاستقرار الهش” التي عاشتها في السنوات الماضية. ازدواجية المؤسسات المالية، وسياسات الإنفاق التي لا تخضع لمنظومة رقابة موحدة، واستمرار الفجوة بين الموارد النفطية والسياسات الحكومية، كلها عوامل تجعل البلاد أكثر عرضة لتآكل احتياطاتها، وتراجع أداء القطاع المصرفي، وتزايد اعتماد الاقتصاد على تسويات قصيرة الأمد. في الوقت ذاته، يحفز هذا الضغط الاقتصادي الحاجة الملحة إلى حل سياسي، إذ أصبحت كلفة استمرار الانقسام أعلى من كلفة التسوية.
أما على المستوى الأمني، فإن الفراغ في الجنوب، وامتداد نشاط الجماعات غير النظامية عبر حدود ليبيا مع دول الساحل، وتنامي المنافسة الدولية على الموانئ والممرات البحرية في المتوسط، كلها عوامل تجعل ليبيا نقطة ارتكاز في توازنات إقليمية أكبر. وهذا ما يدفع عددًا من العواصم إلى دعم أي مسار واقعي يقود إلى الاستقرار المؤسسي، ولو كان عبر تسويات غير مثالية.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن ليبيا تقف اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات:
الأول: استمرار الوضع الراهن، وهو السيناريو الأكثر كلفة، حيث يتعمق الانقسام وتتراجع قدرة الدولة على إدارة مواردها.
الثاني: مسار تفاوضي هش ينتج حكومة جديدة دون توحيد المؤسسات، وهو سيناريو يعيد إنتاج الفشل السابق.
الثالث: دفع مصري–تركي نحو صياغة “صفقة مؤسسات” تسبق أي ترتيبات سياسية، وهو السيناريو الأكثر قدرة على تغيير قواعد اللعبة.
ما يجعل اللحظة الحالية مختلفة هو أن توازنات الإقليم تتحرك في اتجاه يتيح للقاهرة هامشًا حقيقيًا للوساطة، فيما لم تعد الأطراف الليبية قادرة على تحمل كلفة الانقسام. وبين فراغ دولي وتمدد إقليمي وبراغماتية جديدة في علاقات القوى الفاعلة، تبدو ليبيا أمام فرصة غير مسبوقة.
السؤال لم يعد ما إذا كانت ليبيا بحاجة إلى تسوية، بل من يملك القدرة على هندستها. وفي التجمع الجغرافي–السياسي الذي يتشكل اليوم، تبدو القاهرة أقرب من أي وقت مضى إلى أن تكون الطرف القادر على دفع الملف نحو نقطة تحول حقيقية—إذا استطاعت تحويل اللحظة الإقليمية إلى مسار مستدام، لا مجرد هدنة سياسية مؤقتة

