Reading in العربية (Arabic) | Read in English
في النقاشات الاستراتيجية التي تدور في أروقة مراكز التفكير وصناعة القرار في العالم لم يعد الوجود العسكري الأميركي في الخليج يُنظر إليه بوصفه معطى ثابتاً لا يمكن تخيله خارج سياقه التاريخي الذي تشكل منذ منتصف القرن العشرين بل أصبح جزءاً من معادلة قابلة للتغيير وفق تطورات النظام الدولي وتحولات أسواق الطاقة وتبدل أولويات السياسة الخارجية الأميركية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ارتبطت الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط بصورة وثيقة بمنطقة الخليج العربي حيث تتركز أكبر احتياطيات النفط في العالم وحيث تمر واحدة من أهم شرايين الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز. لكن العالم الذي جعل من الخليج مركزاً دائماً للوجود العسكري الأميركي لم يعد هو العالم نفسه اليوم.
لقد دخل النظام الدولي في مرحلة انتقالية معقدة تتسم بتراجع نمط الهيمنة الأحادية وصعود قوى دولية وإقليمية جديدة وتغير طبيعة الصراعات العسكرية والتكنولوجية. وفي ظل هذه التحولات بدأت تظهر في النقاشات الاستراتيجية الأميركية أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الصراحة من قبل تتعلق بكلفة الوجود العسكري المباشر في الخليج وبمدى الحاجة إلى بقاء القواعد العسكرية الكبرى في موقعها التقليدي وبإمكانية إعادة توزيع هذا الوجود في جغرافيا أوسع تحقق الأهداف نفسها بوسائل أقل تكلفة وأكثر مرونة.
إن طرح مثل هذا السؤال لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة في طريقها إلى مغادرة الخليج أو التخلي عن مصالحها الحيوية في هذه المنطقة. فالتاريخ السياسي للقوى الكبرى يعلمنا أن الانسحاب الكامل من مناطق المصالح الحيوية نادر الحدوث. ما يحدث في الغالب هو إعادة صياغة شكل الحضور العسكري بحيث يتحول من تمركز ثقيل داخل المنطقة إلى شبكة انتشار أوسع تحيط بها من أطرافها وتبقي القدرة على التأثير قائمة دون الحاجة إلى الوجود المباشر في قلبها.
في هذا السياق يصبح من الطبيعي أن يتجه التفكير الاستراتيجي نحو الجغرافيا المحيطة بالخليج بدلاً من التركيز عليه وحده. فالقوة التي تريد حماية طرق الطاقة العالمية لا تحتاج بالضرورة إلى التمركز فوق منابع النفط بقدر ما تحتاج إلى السيطرة على الممرات البحرية التي تعبرها تلك الطاقة في طريقها إلى الأسواق العالمية. ومن هنا يبرز البحر الأحمر والقرن الأفريقي بوصفهما أحد أهم الفضاءات الجيوسياسية التي قد تلعب دوراً متزايد الأهمية في أي عملية إعادة تموضع أميركية مستقبلية.
فالمنطقة الممتدة من مدخل البحر الأحمر إلى خليج عدن تشرف على مضيق باب المندب الذي يعد واحداً من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فمن خلال هذا المضيق تعبر كميات ضخمة من النفط والغاز القادمة من الخليج في طريقها إلى أوروبا والبحر المتوسط. ومن يتحكم في هذا الممر يمتلك عملياً القدرة على التأثير في جزء مهم من حركة التجارة العالمية. لذلك ليس من المستغرب أن تتحول هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس دولي متزايد حيث تتقاطع فيها مصالح قوى عالمية وإقليمية تسعى جميعها إلى تثبيت حضور عسكري أو لوجستي بالقرب من هذا الشريان الحيوي.
القرن الأفريقي في هذا السياق ليس مجرد منطقة هامشية في الخريطة الدولية كما كان يُنظر إليه في الماضي بل أصبح نقطة ارتكاز جيوسياسية تربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا والمحيط الهندي. فمن هذه المنطقة يمكن مراقبة حركة الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن كما يمكن التحرك بسرعة نحو شبه الجزيرة العربية أو شرق أفريقيا أو حتى جنوب آسيا. وهذه المرونة الجغرافية تمنح أي قوة عسكرية تتمركز هناك قدرة واسعة على التأثير في عدة مسارح استراتيجية في وقت واحد.
وفي الاتجاه المقابل من الخريطة يظهر شمال أفريقيا بوصفه خياراً آخر لا يقل أهمية في حسابات إعادة التموضع العسكري. فهذه المنطقة تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز وتطل على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط الذي يمثل بدوره نقطة التقاء بين أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. ومن منظور استراتيجي أوسع فإن وجود قواعد عسكرية أو مراكز دعم لوجستي في شمال أفريقيا يمنح الولايات المتحدة قدرة على البقاء قريبة من الشرق الأوسط دون أن تكون مرتبطة بشكل مباشر بتعقيداته السياسية والأمنية اليومية.
كما أن القرب الجغرافي من أوروبا يمنح هذا الخيار بعداً إضافياً يتعلق بأمن الطاقة الأوروبي خاصة في ظل التحولات التي شهدتها القارة خلال السنوات الأخيرة ومحاولاتها تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على بعض الموردين التقليديين. فوجود قوة عسكرية قادرة على مراقبة طرق الطاقة في جنوب المتوسط يضيف طبقة أخرى من الحماية الاستراتيجية لشبكة الإمدادات التي تعتمد عليها الاقتصادات الأوروبية.
أما شرق البحر المتوسط فقد تحول بدوره خلال العقد الأخير إلى فضاء جيوسياسي بالغ الحساسية بعد اكتشاف حقول الغاز الكبرى في مياهه العميقة. هذه الاكتشافات لم تغير فقط خريطة الطاقة في المنطقة بل أعادت أيضاً تشكيل حسابات الأمن والنفوذ بالنسبة للقوى الدولية. فالوجود العسكري في هذه المنطقة يمنح القدرة على مراقبة ثلاثة مسارح استراتيجية في آن واحد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب أوروبا. كما يوفر إمكانية التدخل السريع في الأزمات التي قد تندلع في أي من هذه المناطق دون الحاجة إلى تمركز عسكري كثيف داخل الأراضي العربية.
ولا يمكن فهم هذه الصورة الاستراتيجية من دون التوقف عند الدور المتزايد للمحيط الهندي الذي أصبح خلال العقود الأخيرة قلب التجارة البحرية العالمية. فالنسبة الأكبر من النفط والغاز المنقول بحراً تمر عبر طرق هذا المحيط قبل أن تصل إلى الأسواق الآسيوية أو الأوروبية. ومن هنا فإن وجود قاعدة عسكرية قوية في عمق المحيط الهندي يوفر لأي قوة كبرى قدرة على الوصول إلى الخليج وشرق أفريقيا وجنوب آسيا في الوقت نفسه مع هامش أمان استراتيجي أكبر نسبياً مقارنة بالمواقع القريبة من بؤر التوتر المباشر.
كل هذه المعطيات تشير إلى أن الحديث عن خروج أميركي محتمل من الخليج إذا حدث يوماً لن يعني بالضرورة غياباً حقيقياً عن المنطقة بقدر ما سيكون شكلاً من أشكال إعادة الانتشار الاستراتيجي. فالقوة العسكرية في العصر الحديث لم تعد تعتمد فقط على القواعد الضخمة المتمركزة في نقطة واحدة بل على شبكات مرنة من نقاط الارتكاز التي تسمح بالحركة السريعة والتدخل عند الحاجة مع تقليل المخاطر السياسية والعسكرية المرتبطة بالوجود المباشر.
بهذا المعنى يمكن تصور خريطة استراتيجية جديدة تمتد على شكل قوس جغرافي يحيط بالشرق الأوسط من الخارج يبدأ من شرق البحر المتوسط ويمر بشمال أفريقيا ثم البحر الأحمر والقرن الأفريقي وصولاً إلى المحيط الهندي. ومن خلال هذا القوس يمكن لأي قوة عظمى أن تحافظ على قدرتها على التأثير في طرق الطاقة العالمية وفي توازنات الشرق الأوسط دون أن تكون مضطرة إلى التمركز داخل الخليج نفسه.
إن التحولات الكبرى في السياسة الدولية لا تحدث عادة في صورة قفزات مفاجئة بل في شكل عمليات تدريجية من إعادة التموضع وإعادة تعريف المصالح. ومع دخول العالم مرحلة تتسم بتعدد مراكز القوة يبدو أن الشرق الأوسط يقف هو الآخر أمام مرحلة جديدة قد لا تختفي فيها القواعد العسكرية الأميركية من المنطقة لكنها قد تتغير في مواقعها وطبيعة انتشارها بحيث تعكس فهماً مختلفاً لمعادلة القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين حيث لم تعد السيطرة تعني بالضرورة التمركز في قلب المنطقة بقدر ما تعني القدرة على الإحاطة بها والتحكم في مفاتيحها الجغرافية من خارجها.

