Reading in العربية (Arabic) | Read in English
كلما ارتفع سعرالدولار، أو اختفت السيولة في المصارف، أو اشتعلت الأسعار يشتد الجدل و يبدأ النقاش المعتاد:
ما هو النظام الاقتصادي الذي سينقذ البلاد؟
البعض يرى أن الحل في الرأسمالية وفتح السوق بالكامل وكأن السوق الحر عصا سحرية، وآخرون يحنّون إلى الاشتراكية باعتبارها الملاذ الأخير للعدالة الاجتماعية و يعتقدون أن الدولة يجب أن تسيطر على كل شيء كما كان في السابق لكن الحقيقة التي يجب ان نواحهها وقد تبدو قاسية لمن يعتقدون انفسهم تكنوقراط أن ليبيا اليوم لا تعاني من “اختيار نظام اقتصادي”.، بل أزمة دولة عاجزة عن فرض أي نظام.
ليبيا اليوم دولة تتملك موارد وهي النفط، والغاز، والماء بالاضافة الي الموقع الجغرافي، بالمقابل عدد سكان قليل مقارنة بتلك الموارد، ومع ذلك ما زالت تعاني من أزمات معيشية خانقة، وبنية تحتية متهالكة، واقتصاد مرتبك.
وهنا يطرح السؤال نفسه كيف يمكن لدولة غنية بهذا الشكل أن تبدو فقيرة إلى هذا الحد؟
الإجابة ببساطة مؤلمة: لأن المشكلة ليست في قلة الموارد… بل في طريقة إدارة الدولة نفسها.
يمكننا أن نستورد أفضل النظريات الاقتصادية، وأن نملأ الشاشات بخطط الإصلاح والتنمية، لكن هذا كله لن يقدم اي حل, فعندما تصبح مؤسسات الرقابة نفسها غارقة في الفساد، ويتحول القانون إلى وجهة لتبرير الفساد، وتصبح شبكات المصالح أقوى من القانون و من الدولة، فإن أي نموذج اقتصادي سيتحول تلقائيًا إلى نسخة جديدة من الفساد والفوضى.
المشكلة ليست في الاقتصاد… بل في البيئة التي يعيش فيها الاقتصاد
ليبيا خلال العقود الماضية تحولت تدريجيًا إلى ما يسميه الاقتصاديون:
Rentier State
أي دولة تعتمد على عائدات الموارد الطبيعية بدل الإنتاج الحقيقي.
النفط لم يبنِ اقتصادًا متنوعًا، بل خلق نموذجًا مشوهًا يقوم على:
• وظائف حكومية متضخمة،
• دعم عشوائي،
• استهلاك مرتفع،
• واعتماد شبه كامل على الدولة كمصدر للدخل.
وهذا خلق عقلية خطيرة عبر السنين:
• الدولة تدفع المرتبات،
• الدولة تدعم كل شيء،
• والدولة هي المصدر الرئيسي للحياة.
بمرور الوقت، تحوّل الاقتصاد إلى “آلة توزيع أموال” أكثر من كونه اقتصادًا حقيقيًا ينتج ويبتكر.
وأصبح الصراع في ليبيا ليس على من يبني البلد… بل على من يسيطر على المال القادم من النفط.
وهنا تكمن الكارثة، فالفساد في ليبيا اليوم لم يعد مؤظف مؤسسة او مسؤول في الدولة بل أصبح نظام حكم غير معلن، فالفساد في ليبيا لم يعد سلوكًا فرديًا، بل أصبح منظومة متكاملة:
• شبكات مصالح،
• أدوات نفوذ،
• آلية شراء ولاءات،
• ونظامًا غير معلن لإدارة السلطة.
ولهذا اصبحنا نرئ مؤسسات يفترض بها أن تحارب الفساد، بينما الفساد يتغلغل داخلها بكل أريحية، فاصبحت مكافحة الفساد وكأنها تحارب ظلها في المرآة.
لأنك لا تستطيع هزيمة الفساد بينما الاقتصاد نفسه مبني على الغموض، والإنفاق غير القابل للتتبع، والتوظيف السياسي، والاقتصاد الموازي، وغياب البيانات الدقيقة.
فالدول التي نجحت في تقليل الفساد لم تعتمد فقط على “النوايا الحسنة”، بل على أشياء عملية جدًا مثل:
• رقمنة الخدمات،
• تتبع الإنفاق إلكترونيًا،
• تقليل التعامل النقدي،
• ربط المؤسسات بقواعد بيانات موحدة،
• وإغلاق الثغرات التي تسمح بتحويل الدولة إلى غنيمة.
هل السوق الحر هو الحل؟
هنا يقع كثير من الناس في فخ كبير.
البعض يعتقد أن الحل هو تحرير الاقتصاد بالكامل وترك السوق يعمل بحرية.
لكن السوق الحر داخل دولة ضعيفة قد يتحول إلى كارثة.
لماذا؟
لأن غياب الدولة القوية لا يصنع منافسة شريفة، بل يصنع:
• احتكارًا،
• مافيات اقتصادية،
• تهريبًا،
• وتحالفًا بين المال والسلاح.
في الدول المستقرة، السوق الحر يعمل تحت سلطة قانون قوية، أما في الدول الهشة، فإنه يتحول غالبًا إلى اقتصاد غابة، ولهذا فإن ليبيا لا تحتاج اليوم إلى رأسمالية مطلقة، ولا إلى اشتراكية بيروقراطية، بل إلى نموذج أكثر واقعية: اقتصاد سوق مضبوط بدولة قوية ومؤسسات صارمة.
دولة تسمح للقطاع الخاص بالنمو، لكنها تفرض رقابة حقيقية على:
• المصارف،
• العملة،
• النفط،
• الاحتكار،
• وحركة الأموال.
دولة تحمي المنافسة، وتمنع الاحتكار، وتراقب المصارف، وتحافظ على قيمة العملة، وتمنع تحول الاقتصاد إلى غابة.
السؤال الان كيف نبدا؟
اولا: البداية يجب ان تكون بمعالجة الدعم، فالدعم في ليبيا تحول من حماية الناس إلى تجارة مربحة.
الدعم كان هدفه الأصلي مساعدة المواطن، لكن ما الذي حدث؟
أحد أكبر الأوهام في الاقتصاد الليبي هو الاعتقاد بأن الدعم بصيغته الحالية يحمي الفقراء.
الواقع يقول غير ذلك، فالحقيقة التى اصبح يعرفها الجميع إن جزءًا ضخمًا من الدعم يذهب إلى:
• التهريب،
• السوق السوداء،
• وشبكات الاستغلال.
الوقود المدعوم مثلًا لا يستهلكه المواطن البسيط فقط، بل تستفيد منه شبكات التهريب بشكل أكبر بكثير.
ومع ذلك، رفع الدعم فجأة سيكون صدمة خطيرة على الناس.
لذلك الحل ليس “قطع الدعم” دفعة، بل إصلاحه تدريجيًا:
• دعم نقدي مباشر،
• أنظمة رقمية دقيقة،
• وتقليل التسرب خطوة بخطوة.
ثانيا: تقليل الانفاق الحكومي، بتقليص المرتبات و المزايا الممنوحة للمسولين, و تقليص البعثات الدبلوماسية و تقنين مهمات الاعمل و البعثات و عدد موظفي الوزرات الخدمية و دعم القطاع الخاص و تقنينه.
فالدولة التي توظف الجميع تقتل الاقتصاد
لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو بينما تتحول الحكومة إلى أكبر رب عمل في البلاد.
ان أخطر مشاكل ليبيا أن الحكومة أصبحت أكبر جهة توظيف في البلاد.
والنتيجة؟
• بطالة مقنعة،
• إنتاجية ضعيفة،
• واعتماد كامل على المرتبات الحكومية.
فاصبحت الوظيفة العامة “حقًا اجتماعيًا” بدل حاجة إنتاجية، و تحولت الدولة إلى جهاز ضخم يستهلك المال دون أن ينتج قيمة حقيقية.
الاقتصاد الحقيقي لا يُبنى عبر توزيع المرتبات، بل عبر:
• الصناعة،
• الخدمات،
• التكنولوجيا،
• اللوجستيات،
• والطاقة.
ليبيا تملك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وثروة طاقة هائلة، وسوقًا قريبًا من أوروبا وأفريقيا، لكنها ما زالت تبيع النفط الخام وتستورد كل شيء تقريبًا.
وهنا المفارقة المؤلمة: بلد غني بالموارد وفقير في الإنتاج.
هل توجد نماذج يمكن الاستفادة منها؟
البعض يحلم بتحويل ليبيا إلى نرويج جديدة، لكن المقارنة مضللة.
النرويج بنت مؤسساتها القوية قبل الطفرة النفطية، بينما ليبيا دخلت عصر النفط قبل أن تبني دولة مؤسسات حقيقية.
ربما الأقرب لليبيا هو مزيج بين:
• تجربة سنغافورة في الإدارة والرقمنة،
• وتجربة الامارات العربية المتحدة في البنية التحتية والاستثمار،
• مع إدارة سيادية صارمة للثروات كما فعلت المملكة العربية السعودية, و الاصلاح الذي طبقه ولي العهد الامير محمد بن سلمان.
لكن حتى هذه النماذج لا يمكن نسخها ببساطة، لأن نجاحها قام على وجود سلطة قادرة على فرض القانون وإنفاذ القرارات، قبل الاقتصاد.
قبل الحديث عن الرأسمالية أو الاشتراكية أو اقتصاد السوق، تحتاج ليبيا إلى:
• قضاء نزيه ومستقل،
• مؤسسات موحدة،
• رقمنة الإنفاق العام،
• تغيير جميع الادرات الوسطئ في المصارف و المؤسسات المالية،
• رقابة حقيقية،
• إنفاق واضح،
• وقانون يُطبق على الجميع.
بدون ذلك، سيظل أي إصلاح اقتصادي مجرد إعادة تدوير للفساد، و ستتحول أي خطة اقتصادية إلى نسخة جديدة من الفوضى.
وفي النهاية،
ليبيا لا تحتاج اليوم إلى عبقرية اقتصادية بقدر ما تحتاج إلى دولة تستطيع، إغلاق باب الفساد.


