محمد الأمين بلغيث البروفيسور الموسوعة وحامل لواء الوطنية بكل أبعادها
Spread the love

المؤرخ الأستاذ الدكتور محمد الأمين بلغيث من الشخصيات العلمية المعروفة التي أنجبتها الجزائر, ابن مدينة تبسة, يعتبر منارة علمية وصل نورها خارج حدود الجزائر, وطني حتى النخاع, أجتهد وكان له نصيب علمي موفور, تركة ثقيلة لا تقدر بثمن, وينبوع تاريخي  تنهل منه الأجيال جيل بعد جيل, 12 مجلدا في تاريخ الأندلس تزيد عن 5000 صفحة و 11 مجلدا أغلبها في تاريخ الجزائر, تزيد عن 7200 صفحة باللغة العربية والإسبانية والفرنسية, فلسفته في الحياة أُُُبْدع لينتعش الوطن وأموت ليحيا, لأنه أبن الحاج الطيب بن صالح الشهيد  الذي ليس له  قبر, متحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي الوسيط  “تخصص تاريخ المغرب والأندلس”, تمت ترقيته إلى رتبة بروفيسور سنة 2007, متمكن في تخصصه ذو شخصية قوية وحضور مؤثر إعلاميا, معروف بأخلاقه لدى كل من عرفه من بعيد أو من قريب وخاصة طلبته ومن تخرج على يديه من أساتذة ودكاترة, جل تدخلاته الإعلامية وخاصة المتلفزة منها كانت موضوع  اهتمام جميع الشرائح, نظرا لقدرته على إيصال المعلومة وتشريحها وإعطائها نكهة  ذات أبعاد تاريخية  بسيطة تصل المشاهد والمستمع  بسلاسة, لا يتقنها إلا الدكتور محمد الأمين بلغيث. كذلك كونه إعلامي متميز, له تجربة رائدة في الإذاعة الوطنية والإذاعة الثقافية, بحيث مازج بين التاريخ و الإعلام والثقافة وأعطى لهما بعدا حضاريا للإبداع الفكري الذي يعكس الشخصية الجزائرية الثائرة المتجذرة في أعماق التاريخ, مد جسور الفكر البناء وأعطاها نكهة إعلامية وثقافية, زادتها انتشارا واسعا و تدفقا عمليا, استفادت منه جميع الشرائح و المشارب والتخصصات.   

 إنه الباحث  والمؤرخ الجزائري الموسوعة  من مواليد الشريعة ولاية تبسة، عام 1956م، ابن أسرة ميسورة الحال من منطقة جبل بوكماش منذ القرن السادس عشر الميلادي، يفتخر بسلفه سعد بن نصر رفيق درب المكافح عبد الصمد الشَّابي، وبجده لأبيه صالح المتوفى في حدود 1936م، وأيقونة أهله والده الحاج الطيب بن صالح بلغيث الشهيد  الذي ليس له قبر.

درَّس بجامعة الجزائر المركزية ما يزيد عن 37 سنة،  بحوزته 23 مجلدا زيادة  على كمِّ هائل من الوثائق لم تنشر إلى اليوم. متقاعد ومتفرغ لأعماله العلمية منذ سنة 2018. زيادة على ذلك إعلامي في حوزته ما يزيد عن تجربة تزيد عن سبع سنوات ونصف في الإذاعة الوطنية[1981/1989]، وأكثر من عقد من الزمن في الإذاعة الثقافية[2012/ 2022 إلى اليوم].

تشرفت بإجراء حوار سابق معه, وأذكر أني سألته عن رأيه حول احتفال الجزائر والشعب الجزائري بالذكرى 68 لاندلاع الثورة التحريرية فكان جوابه عن هذا الحدث التاريخي الهام في تاريخ الجزائر الثوري “أقول في هذه الذكرى الثامنة والستين أن الجزائر قد فجرت أعظم ثورة في تاريخ القرن العشرين، وأن الثورة الجزائرية المباركة، هي أيقونة ثورات القرن العشرين ضد الكولونيالية رمز القهر والعبودية والاستعباد، من أجل الحرية واسترجاع كرامة شعب عظيم حنَّكته المحن عبر التاريخ. لكن بالمقابل أقول دون وجل أننا لحد الآن لم نحقق ما كان يصبوا إليه جيل مصطفى بن بولعيد، والعربي بن مهيدي وديدوش مراد، هذا الأخير الذي قال وهو يخاطب الشعب الجزائري في شخص نائبه الشهيد زيغود يوسف”إذا ما استشهدنا دافعوا عن أرواحنا.. نحن خُلقنا من أجل أن نموت ولكن ستخلفنا أجيال لاستكمال المسيرة”. الأمم المحترمة التي قد يدينها التاريخ في المنعرجات الحاسمة تحتاج دومًا إلى مراجعة مسارها من حين لآخر، وهذه فرصة ثمينة للمراجعة والعدول عما يجتمع عليه العقلاء من الناس إن أخطأت السير وسرنا طويلا في الطريق الخطأ أحسن لك أن تصل سالما معافى على ألا تصل أصلا أو تصل إلى الطريق المسدود فتلعننا الأجيال اللاحقة لأننا لم نحقق حلم الشهداء”.

كذلك سألته عن المنطقة السادسة تبسة الولاية الأولى التاريخية أوراس النمامشة بنواحيها, والتي  كانت منطقة ثورية بامتياز ومحورا لوجستيا في تموين الثورة بالسلاح بشهادة الرئيس أحمد بن بلة, وعن رأيه فيها؟ فأجاب “مدينة تبسة كما وصفها الدكتور أحمد عيساوي حفظه الله بوابة الشرق ورئة العروبة وأريج الحضارات.والمنطقة السادسة هي المنطقة التي عرفت ملاحم الثورة الجزائرية على يد القيادة العامة للثورة وفي زمن الشهيد المهندس الذكي والقائد النبيه شيحاني بشير، معركة أم الكماكم[جويلية 1955]و [الجرف أم المعارك[22/29 سبتمبر 1955م]قد أبانت عن فحولة رجال المنطقة، معرفة بالجغرافية، وفهما لأهمية البارود[رجال البارود] كما كان يسميهم البطل لزهر شريط.,أما معركة أرقو فقد كانت قيادة مزدوجة بين عباس لغرور وشريط لزهر وكان بها ما يزيد عن 1500 مجاهدًا من ناحية تبسة حسب شهادة المجاهد الملازم الأول الحمزة عثمان بن لعجال”.

 ويضيف ” أما دور المنطقة في تموين الثورة بالسلاح فهي مرحلة مبكرة فقد كان الإعداد للسلاح قد بدأ حسب الأرشيف الفرنسي منذ نهاية 1942م أي عقب الإنزال الأمريكي بأرضنا بوهران وتبسة تحديدا، وهي ما تشير له الوثائق الهامة حول السلاح وتهريبه التي نشرها المؤرخ يوسف مناصرية منذ مدة”.

ويزيد على ذلك بقوله “بمعنى آخر كانت تبسة محطة راقية في الوعي السياسي مع نخبة كبيرة هيأت المجتمع نحو التحرر من العبودية والاستعداد لليوم الأغر المبارك، لكن حتى يكون قارئ الوسيط المغاربي أقول أن تبسة كما حدثني المربي عبد الله عثامنية رفيق الأستاذ المرحوم لمين بشيشي[ أن تبسة في حدود نهاية 1946 ومطلع عام 1947، لا يتحدث أهلها إلا عن ثلاثة أعلام تركوا بصمة واضحة في مجتمعهم الصغير، وهم الشيخ العربي التبسي[1891/1957م]، الشيخ سعدي الصديق[1912/1970]، والشاذلي المكي أصيل خنقة سيدي ناجي[1913/1988م]”

وعن سؤال ما يزال يكتنفه الغموض لحد الساعة, سألته  عن المنطقة السادسة التي كان لها دور بارز في الثورة التحريرية، وعن سبب  تهميش إطاراتها ومحاكمة واغتيال الكثير منهم؟ فأجاب  “هذا الموضوع إلى اليوم ما تزال تكتنفه أسرار عديدة ومما زاد الأمر سوءا أن ما يُكتب الآن من جميع الأطراف كل يتهم صاحبه بالخيانة والتآمر، أنا شخصيا كتبت عن هذا الموضوع بالتفصيل في كتابي تاريخ الجزائر المعاصر منذ أكثر من 22 سنة ولا أريد أن أعود إلى هذا فالأمر متروك لرجال التاريخ الذين يعرفون قواعد الكتابة وأخلاق الكاتب. ولا تكفي المذكرات التي نُشرت في العقد الأخير، فالشهادات متناقضة ما بين [أهلنا في سوف، وتبسة وسوق أهراس] وأترك الأمر إلى الأكاديمي حتى لا يوظف هذا الموضوع الشائك من طرف [مؤرخي الفايسبوك] وما أكثرهم في هذه السنوات؟ في إثارة الحساسيات التي قد تعيدنا إلى مرحلة الصفر والتي حاولت الثورة القضاء عليها إلى حين للأسف الشديد.”


كما طلبت منه أن يفيدنا  ببعض المعطيات التاريخية عن المنطقة السادسة تبسة لم يتم التطرق لها؟ فأجاب “للأمانة والتاريخ هناك تراكمات ودراسات أكاديمية في جامعة تبسة وفي غيرها من المؤسسات الجامعية تستحق التنويه، كما الاهتمام بالأرشيف والشهادات وتسجيل ما يمكن تسجيله ونشره بادرة خير، لكن المحضور هو لو أسقطنا ما ذهب إليه شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله، [وهو الخوف من تضخيم ابن العشيرة والقرية والدوار والحط من غيره] وقد يصبح التركيز على التاريخ المحلي، والرواية الشفوية بديلا للحقائق والوثائق، وهذا نرى ملامحه بشكل واضح في كل جهات الوطن والغريب بأقلام محسوبة على المؤسسة الجامعية والمخبر. “على العموم ضيعت منطقة تبسة شخصيات في فجر الاستقلال، ومنهم للأسف من لم يكتب شهادته ومذكراته رغم ما توفر لحد الآن من تسجيل لشهادات المجاهدين في المتاحف الجهوية وفي المركز الوطني للبحث في تاريخ الحركة الوطنية وثورة نوفمبر 1954م.، فإن السرديات المنتظرة عما يكشفه الأرشيف الفرنسي في شتى مواقعه[ أرشيف ما وراء البحر، أرشيف بريست، أرشيف قصر فانسان، أرشيف المعطوبين بباريس، مراكز تجميع الجزائريين ومراكز الشرطة] مع وثائق الجزائريين في الأرشيفات ببلداننا العربية والإسلامية[ على غرار مصر سوريا تركيا جدة بالمملكة العربية السعودية]، هذه كلها قد تقلب السرديات المتوفرة عندنا و بالتواتر إلى ما قد يخلخل كثير من الحقائق.”

وعن سؤال عن دور الشهيد الشيخ العربي التبسي في الثورة التحريرية ومحاربته للطرقية ؟ أجاب “كانت تبسة معرضة لتيارات جديدة أتتها من الشرق، وخاصة من تونس، وطرابلس، ويُعَد عباس بن حمانة ـ من عدة جوانب ـ أحد أبرز الإطارات المثقفة باللغتين العربية والفرنسية، وهو محسوب على النخبة الجزائرية العصرية، وهو ما أدى بالفرنسيين إلى تقليده وسام منتج زراعي نموذجي، ولكن عندما غزا الإيطاليون ليبيا سنة 1911م أصبح من المؤيدين لجهاد الليبيين، كمعظم الجزائريين المسلمين، كما راسل سليمان الباروني، أحد رموز الجهاد الليبي ضد الغزو الإيطالي.”

ويضيف “ولم يلبث عباس بن حمانة بعد ذلك أن وقع في شراك السياسة المحلية بتبسة، فتعرض للسجن بسبب خلافه مع رئيس بلدية تبسة المختلطة، وتحالف بعد مدة مع شارت ميشال أحد مهندسي مناجم الفسطاط بجبل العنق، ووصلت قضية عباس بن حمانة إلى مجلس النواب بباريس، فبرئت ذمته سنة 1913م. وارتبطت قضية عباس بن حمانة بقضايا العالم الإسلامي، وقضايا مناهضة الإمبريالية، ونشاطات الدفاع عن حقوق الإنسان، والإسلام.”

 ويؤكد بقوله “لقد كانت البذرة العصرية والمدرسة الحديثة الفريدة من نوعها في كامل الجزائر، التي أسسها عباس بن حمانة بأموال أحد تجار وادي ميزاب الكرام، الذين استوطنوا تبسة، منذ أربعة أجيال كاملة، هي التي فتحت السبيل لتأسيس المدارس الحرة، والتي كانت الأولى من نوعها بقيادة المدرس الرسمي، والعالم الكبير السيد المكي بن علي، وهو من الوجهاء، والعلماء، وأهل الحل والعقد بين قومه في تبسة، رغم أنه قد وصف بالشخص المتعاون مع الإدارة الاستعمارية، فهو من المدرسين الشباب الناجحين، وله وجاهة، وسمعة كبيرة بين أهل تبسة، كما كان مدير المدرسة أو المركز التعليمي الذي ظهر منذ 1923م، والسيد المكي بن علي من تبسة أصلا، مزدوج اللغة، ولا نملك معلومات كافية لتقييم طلبة الشيخ المكي بن علي أو الآثار التي تركها في جيل الشيخ العربي التبسي، وإضرابه؛ من المصلحين في بداية العشرينات، إلى تأسيس (مدرسة تهذيب البنين والبنات) بتبسة؛ لأن تبسة قد عرفت نشاطًا تعليميًّا كبيرًا، وحركة تنويرية ظاهرة، حينما قدم عليها العربي التبسي من القاهرة عام 1927م، فاستعمل المسجد، ولما ضايقته الإدارة أشار عليه ابن باديس بالتوجه إلى سيق غربًا، وظل التبسي يتردد بين سيق وتبسة بضع سنين، وذَكَّرَ الناسَ من أهل تبسة بالمدرسة الصديقية النموذجية، التي أغلقتها السلطات الاستعمارية المحلية بحد القوانين الجائرة. هذا هو الجو العام الذي ظهرت فيه بوادر النهضة الوطنية والأدبية في مطلع القرن العشرين في تبسة، وأحوازها.”

ثم يستطرد  ويقول “الحديث عن الشيخ العربي التبسي  ذو شجون فهو الرائد الذي لا يخون قومه حمل لواء الدعوة والإصلاح في زمن تردي أوضاع الجزائريين في جميع مناحي الحياة وكان شعبنا النائم كما يقول التبسي يسأل عن السبعة الرقود ولا ينتبه إلى سبعة ملايين نائم تحت قاعدة ناموا لا تستيقظوا فما فاز إلا النوم[للشاعر العراقي معروف الرصافي]. رحم الله شيوخ العلم والعمل في تبسة والجزائر قاطبة فقد ضحوا من أجل أن نخرج نحن إلى أرض الله الواسعة بعد أن كانت الجزائر عبارة عن سجن كبير بحجم قارة، فرحمة الله عليهم في هذه الأيام المباركة”

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات