إعلان عدد من الأعضاء الرئيسيين في منظمة البلدان المصدرة للبترول أوبك بلاس، عزمها عن خفض طوعي واضافي لإنتاجها اعتباراً من شهر أيار المقبل وحتى نهاية العام 2023، يطرح تساؤلات حول الوضع الذي سيكون عليه سوق الطاقة في المستقبل القريب، سيما وأنّه الخفض الثاني الذي تُقدم عليه هذه الدول في غضون ستة أشهر (الخفض الأول أقر في تشرين الثاني من العام 2022). لا بل إن قرار الخفض الجديد يدعو الى التساؤل عن تداعياته على مستقبل الاقتصاد العالمي المُثقل بالأزمات.
شملت قرارات خفض الإنتاج مجموعة الدول التي تنتج ما يقارب الــ 40% من الإنتاج العالمي، ما أدى الى ارتفاع سعر خام برنت في الأيام الأولى التي تلت القرار بأعلى نسبة خلال عام، حيث قفز 4.75 دولارات وبلغت أكثر من 6% من السعر قبل إعلان قرار خفض الإنتاج. وكانت أسعار النفط قد تراجعت مؤخراً إلى المستوى الذي كانت عليه في مطلع العام 2022، بعد ان تسببت الحرب الروسية الأوكرانية في أواخر شباط من العام الماضي بارتفاع هذه الأسعار الى مستويات قياسية.
وقررت كل من السعودية والإمارات والكويت وسلطنة عمان والجزائر بشكل منسق خفض جديد لإنتاجها اليومي، في خطوة احترازية لتحقيق الاستقرار والتوازن في أسواق الخام. حيث ستخفض السعودية 500 ألف برميل يومياً والعراق 211 ألف برميل، والإمارات 144 ألف برميل، والكويت 128 ألف برميل والجزائر 48 ألف برميل وسلطنة عمان 48 ألف برميل، على ما أعلنت كل دولة. وبدورها روسيا المنضوية في تحالف أوبك بلاس، أعلنت أنها ستمدد خفض إنتاجها من النفط الخام بواقع 500 ألف برميل يومياً حتى نهاية العام 2023، ليبلغ مجموع تخفيضات إنتاج النفط الخام 3.66 مليون برميل يومياً (2 مليون + 1,66 مليون) أو 3.7 بالمئة من الطلب العالمي.
وفي حين يعتبر خبراء اقتصاديون أن مجموعة أوبك بلاس تحاول عبر هذه الإجراءات الحفاظ على سعر 80 دولار للبرميل وذلك على المدى المتوسط، اعتبر خبراء آخرون أن أوبك بلاس تطمح في الحقيقة لبلوغ البرميل عتبة الــ 100 دولار. ولا بد من أن تؤدي الزيادة في أسعار النفط المتوقعة بعد إعلان يوم الأحد (قرار الخفض الأخير) إلى زيادة الضغوط التضخمية، الامر الذي سيزيد من تكاليف المعيشة وتفاقمها وزيادة مخاطر الركود وسط أزمة تضخم مقلقة يشهدها الغرب بحسب بعض المحللين.
وما يزيد من أهمية القرار الأخير كونه يأتي في سياق مساعي الدول المصدرة للنفط اعتماد سياسات انتاج تحول دون التفريط باحتياطياتها النفطية عند مستويات متدنية للأسعار، وتضمن التمويل المناسب لمشاريعها الإنمائية الطموحة ومصالحها الاقتصادية. ويدل القرار على الاستقلالية المتنامية لهذه الدول عامةً والخليجية خاصةً، وتقديمها الاعتبارات الوطنية على مصالح الدول المستهلكة التي طالما تحكمت بقرارات منظمة الدول المصدرة للبترول من خلال حلفائها من الدول الاعضاء فيها.
وتبرز اهمية قرار خفض الإنتاج الأخير إذا ما وضع في سياق الجهود التي تبذلها كل من الصين وروسيا ودول البريكس لإحلال عملاتها الوطنية في معاملاتها التجارية البينية وبشكلٍ خاص في اسواق النفط والغاز. خاصة وأن الصين عملت خلال السنوات الماضية على الاتفاق مع عدّة دول على استخدام عملتها المحلية بدلاً من الدولار في التعاملات التجارية وخاصة النفطية، في محاولة للحد من هيمنة الدولار الأميركي على التجارة العالمية.
وشكل القرار الروسي في آذار من العام 2022 والذي قضى بإلزام مستوردي الغاز الدفع بالروبل، ترجمة عملية لاستخدام العملة الوطنية بدلاً من الدولار الأميركي في العلاقة مع الدول “غير الصديقة”، ما ساهم في الحد من تأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي، كما أبرمت روسيا اتفاقات مع كل من الصين وتركيا للتبادل التجاري بالعملة المحلية.
وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ كان قد دعا دول الخليج لدى زيارته السعودية في كانون الأول الماضي، الى تسعير النفط والغاز باليوان في بورصة شنغهاي، وذلك للاستفادة الكاملة من بورصة شنغهاي للبترول والغاز كمنصة لتسوية تجارة النفط والغاز باليوان، حسب تعبيره. أما التطور الأهم فهو فيما تحقق في أيلول من العام 2022، عندما قررت منظمة شنغهاي للتعاون استخدام العملات الوطنية في التجارة البينية لدول المنظمة.
والحدث الجديد في هذا الإطار تم في 28 آذار الماضي، مع اتمام بورصة شنغهاي بيع شحنة اماراتية من الغاز الطبيعي المُسال لصالح شركة TotalEnergies الفرنسية باليوان الصيني، لتكون أول عملية دولية تُرسي مبدأ التسعير متعدد العملات. وبذلك تكون الإمارات العربية المتحدة اتخذت الخطوة الأولى في هذا المجال، رغم أن السعودية كانت سبّاقة في إبداء انفتاحها على تسعير جزء من نفطها باليوان الصيني.
ويُمكن اختصار الأسباب التي دفعت الدول المنتجة المشار اليها أعلاه الى اتخاذ قرار الخفض في اربعة أسباب، أولها تأمين استقرار السوق النفطية في ظل المخاوف من ضعف الطلب العالمي وانتهاء فصل الشتاء من جهة والخوف من تجدد أزمة السيولة التي تُعاني منها عدد من المصارف الأميركية والأوروبية من جهة ثانية. وثاني هذه الأسباب الحؤول دون المضاربة في الأسواق النفطية، فيما يُشكل الحفاظ على مستوىً للأسعار يتراوح بين 80 و100 دولار للبرميل السبب الثالث، اما السبب الرابع والأخير فهو وضع حد لضغوط الولايات المتحدة الأميركية على المنتجين للإبقاء على مستويات الإنتاج الحالية.
وعلى اهمية هذه الاسباب وإذا ما كانت فعلاً الدافع المباشر لقرار خفض الإنتاج ام لا، الا أنّه يستدعي التوقف عند تداعياته لجهة ارتفاع أسعار النفط والتي تترافق مع الارتفاع اللافت في سعر الذهب. وقد أدى تزايد الطلب على المعدن الأصفر، على اعتباره مخزناً للقيمة وملاذاً آمناً في ظل عدم الاستقرار المالي العالمي، الى تخطي سعر اونصة الذهب الــ 2000 دولار أميركي. كما ساهمت المخاطر المحدقة بأسهم المصارف بسبب إغلاق مصرفي سيليكون فالي، وكريدي سويس في ارتفاع سعر الذهب، وكذلك كان دور المخاوف من احتمال حصول انخفاض اضافي في عائدات الدولار والسندات الأميركية.
وفي العودة الى قرار خفض انتاج النفط الأخير ودلالاته، يُمكن القول انه على الرغم من المبررات الاقتصادية والواقعية للقرار الا أنه ينطوي على تحولات عميقة في اولويات الدول المقررة وفي مقدمتها دول الخليج العربي وسياسات الإنتاج التي تنتهجها. ويُذِكر القرار الأخير بقرار حظر إمدادات النفط للغرب الذي اعلنته الدول العربية المنتجة للنفط بعد عشرة أيام من بدء حرب تشرين الاول 1973، والذي أدى الى ما عُرف في حينه بصدمة النفط والتي استمرت تداعياتها حتى آذار من العام 1974.
وما يزيد من أهمية التطورات الأخيرة، إن لجهة خفض انتاج النفط او لجهة تسعير شحناته بغير الدولار الأميركي وصولاً الى ما رافق كل ذلك من ارتفاع في سعر الذهب، ما ينطوي عليه قرار خفض الإنتاج من تجاذب بين الدول العربية المنتجة للنفط ولا سيما المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، حول تقرير سياسات الإنتاج الواجب اعتمادها وتقديم المصلحة الاقتصادية للدول المنتجة على غيرها من الاعتبارات. فيما تتزامن هذه التطورات مع ارتفاع حدة التجاذب الصيني الأميركي على زعامة العالم سياسياً واقتصادياً من جهة، والمواجهة الأميركية الروسية على الأرض الأوكرانية في حرب استنزاف عسكرية واقتصادية من جهة ثانية.
وبينما تتصاعد وتيرة الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة الأميركية وخصومها من الصين وروسيا ودول البريكس وصولاً الى الدول المنتجة للنفط، تكبر المخاوف من تحول الصراع الاقتصادي الى مواجهات عسكرية مباشرة بين الدول المعنية. ذلك أنّ الاسباب الكامنة وراء الحروب والدافع اليها كان ولا يزال الاقتصاد، الاسباب اكتملت او تكاد فهل تندلع الحرب؟


