Reading in العربية (Arabic) | Read in English
ترصد عدسة الكاميرا الدمار، فأشعر للحظة أنني أشاهد فيلماً بالأبيض والأسود. الصورة رمادية، بلا معالم. يخاطبني عقلي وأنا أترقب الشاشة، هناك خلل في الكاميرا، ألوانها تلاشت، أو أن عقلي نفسه من أثر الصدمة لم يعد يميز الألوان. أتمعن في الشاشة، أحاول رصد المزيد من المشاهد والتدقيق في ألوانها. وفجأة، يظهر بين الرماد لون أحمر. أرفع رأسي… إنها دماء على ثوب زهري ترتديه طفلة، شعرها الذهبي تُوِّج بالرماد. أصرخ: أنقذوها!
هذا المشهد لم يكن مجرد خبر عاجل، بل كان جزءًا من عملي اليومي طوال سنتين في غزة.
اليوم، أنا هنا في سيدني، مضت عشرة أشهر وأنا بعيد، أتابع الحرب ذاتها من شاشة أخرى. يقول الخبر: “قصف في الشمال” أو “تقدم في مفاوضات الاتفاق”. أقرأ الخبر و أشعر بالإجهاد؛ فالتفاصيل التي كنت أراها بوضوح في الميدان، أصبحت الآن بعيدة ومشوّشة. تلك التفاصيل التي كانت أدوات عملي كصحفي، باتت اليوم غائبة، وحلت محلها أرقامٌ صماء وعناوينُ لا تروي الحكاية، وكأن الحقيقة لم تصل يوماً مكتملة؛ فهناك في الميدان تفاصيل بالواقع لا يراها العالم، وحكاياتٌ تضيع في ذلك الفراغ الذي يفصل بين مأساة الحقيقة وبرودة الشاشة.
هنا في سيدني، اكتشفتُ أن المسافة لا تُقاس بالكيلومترات. فأربعة عشر ألف كيلومتر تفصل المدينتين، لكن المسافة الحقيقية هي تلك التي تقع بين من يشاهد الحرب ومن يسكنها وسط كل هذا الدمار. هناك، حيث لا وجود للكهرباء، يعني ذلك أن طفلًا قد يفقد حياته في أي لحظة. ويغدو البحث عن جرعة ماء، ومحاولة احتمال حرّ الصيف وبرد الشتاء القارس تحت خيام النزوح التي لا تنتهي، هو كل الصراع من أجل البقاء.
والسياسة تضج بـ المفاوضات المستمرة؛ تصريح من طرف، وردّ من آخر، وخريطة جديدة تُوزع على الإعلام، وكأن حياة الناس مجرد لعبة ونقاط وبنود، متجاهلين مصيرهم ومعاناتهم. كنا في الميدان نرى هذه الخرائط تُرسم بالحبر في المؤتمرات، بينما يرسم الناس على الأرض خرائطهم الحقيقية، أين يتوفر الماء اليوم، أي شارع آمن للعبور، وأي مخبز ما زال يعمل.
اعتاد العالم أن يقيس الحرب بالسياسة، بينما يقيسها أهل غزة بالبقاء. الاتفاق قد ينجح اليوم ويفشل غداً، لكن طوابير المعاناة ستبقى، والبيت المهدوم سيبقى، واللون الأحمر على الثوب الزهري سيبقى محفوراً في ذاكرة من رآه؛ آملين بتنفيذ حقيقي لوقف الحرب وإعادة بناء غزة، وعودة أهلها إلى حياتهم الطبيعية كأي مدينة في العالم.
إن أفضل وسيلة لمواجهة هذا الواقع وتحقيق العدالة هي أن نبقى على قيد الحياة. البقاء في غزة ليس مصادفة؛ أن تستيقظ كل صباح وتجد عائلتك، أن تجد جرعة ماء، وأن لا تتحول إلى مجرد رقم في نشرة الأخبار… هذا بحد ذاته هو المواجهة الحقيقية للبقاء على قيد الحياة، وهو العدالة الوحيدة المتاحة الآن.
من سيدني، ورغم متابعتي الحثيثة والمستمرة لكل ما يرد من أخبار وتطورات، إلا أنني أدرك يقيناً أن الحقيقة الأهم لا تكمن في العناوين، بل في تلك الحقيقة التي لا تتغير، لا تنتظروا أن تفهموا كل بنود السياسة، افهموا فقط أن البقاء على قيد الحياة هناك… هو كل السياسة.



