وطنٌ يصرخ طلبًا للسلام! وبابا السلام يجيب بالرجاء!
Spread the love

لبنان في قلب البابا! لذلك خصّ قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر لبنان في أولى رحلاته خارج إيطاليا، بعد تسلّمه السدة البطرسية، فشكّلت هذه الزيارة التاريخية حدثًا روحيًا واستثنائيًا حمل أبعادًا كنسية وإنسانية عميقة ودلالة على اهتمام الفاتيكان بلبنان الذي يعتبر مركزاً للمسيحية في الشرق الاوسط و البلد الوحيد في هذه المنطقة رئيسه مسيحي. وُصفت الزيارة المباركة بأنها الأقرب إلى قلب قداسته، ليقول للعالم من بيروت: إن أرض الأرز ليست مجرد محطة على خريطة الأسفار، بل أيقونة الشرق التي تُصلّي باسم الوحدة، ونبض لقاء الإيمان والتنوّع والرجاء. في إشارة واضحة إلى رسالة العيش المشترك التي يحملها لبنان، بما يُمثّله من تعدُّد روحي وديني، ومن تاريخٍ جعله نموذجًا للشرق المتجذّر في الإيمان، الذي لا يساوم على أرضه ولا يتراجع عن رسالته.

جاءت زيارة قداسة البابا للبنان ارض القديسين، لتكون رسالة دعم روحية للمسيحيين المتبقين في الشرق، ومعنوية قوية من أعلى مرجعية كاثوليكية تمتلك تأثيراً دبلوماسياً وثقافياً واسع النطاق. مؤكدًا وقوف قداسته إلى جانب ابناء هذه الارض المقدسة والجريحة في وجه التحديات والصعاب والازمات الاقتصادية والسياسية ولاسيما في ظل الظروف الإقليمية الصعبة التي يمر بها الشرق. حيث يظل البابا داعمًا قويًا لمسيحيي لبنان، الذين بقوا متجذرين في أرضهم في الشرق الأوسط، وهم الشهود الحقيقيون للثبات والإيمان في هذه البقعة من العالم.

هذه الرحلة لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل كانت تجسيداً حقيقياً للتضامن مع اللبنانيين ولاسيما المسيحيين في دعم متواصل وواضح، وتعزيزاً لصمودهم ووجودهم في أرضهم، ليظلوا منارةً للإيمان والتعايش في قلب الشرق الأوسط. وقد حملت هذه الزيارة قيمة رمزية كبرى لكونها انطلقت من قلب الغرب الكاثوليكي نحو الشرق، الذي يشكّل جذرًا أساسًا في تاريخ المسيحية في مبادرة تعكس التزام الكنيسة بالحوار والوحدة والسلام.

منذ ان وطأت قدمي قداسة البابا بلاد الارز بدأ لبنان ينبض فرحاً وسعادة وقد استُقبل قداسته استقبالًا رسميًا وشعبيًا جامعًا، في كل المناطق بحفاوة و بهجة لافتة من كافة الطوائف. عكست الكنائس بكل أطيافها، روح الشراكة والمحبة، بينما رفع البابا من لبنان صلاةً من أجل السلام، ومن أجل الكنيسة الواحدة التي يجمعها إيمانٌ واحد، ورجاءٌ واحد، وقانون إيمانٍ بدأ في نيقيا ولا يزال يوحّد المؤمنين في كل مكان.

نجح لبنان في تنظيم جميع الاحتفالات بتنظيم رائع شهد له الاعلام العالمي كما تأثر قداسته بحفاوة و ايمان ومحبة الشعب اللبناني الذي يحب الحياة ويأمل بالسلام. وكان لقداسته برنامجاً مميزاً و عدة محطات لمدة ثلاثة ايام، استقبله في المطار الرئيس جوزاف عون وعقيلته السيدة الأولى نعمة عون، الى جانب غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي و رسميين ثم الى القصر الجمهوري في بعبدا، وإلى مقر إقامته في السفارة البابوية في حريصا. من حج وخلوة صلاة عند ضريح مار شربل في عنايا الى لقاء مع الأساقفة والراهبات والمكرّسين في حريصا، من لقاء خاص مع البطاركة الكاثوليك في السفارة البابوية، الى لقاء مسكوني وحواري بين الأديان في ساحة الشهداء، الى لقاء مؤثر مع الشبيبة في بكركي، من زيارة المرضى المهمشين في مستشفى راهبات الصليب في بقنايا، الى صلاة صامتة في موقع انفجار مرفأ بيروت ومسك الختام الاحتفال بالقداس الالهي الذي شارك فيه أكثر من ١٢٠ الف مؤمن.

من المتوقع أن تشكّل هذه الزيارة البابوية الاولى حدثًا تاريخيًا بالغ الرمزية، إذ استهلت في مسارها من 27 إلى 30 تشرين الثاني 2025 في تركيا من مدينة نيقيا (إزنيك حاليًا)، جوهر هذه الزيارة ومركز ثقلها التاريخي، نظرًا لمكانتها العميقة في تراث الكنيسة، فهي المدينة التي احتضنت المجمع المسكوني الأول سنة 325 ميلادي،
حيث وقف البابا، في ذكرى مرور ١٧٠٠ سنة، على أرضها بخشوع وتأمل، بحضور ممثلين عن كنائس شرقية عريقة حملت حضورها التاريخي والإيماني العميق، مستحضرًا الآباء القديسين الذين صاغوا في ذلك المكان أحد أهم النصوص المؤسِّسة في تاريخ الكنيسة، ومؤكدًا من هناك أن الإيمان يبقى جسر وحدة لا جدار انقسام. ومن هناك وُلد قانون الإيمان النيقاوي، وهو ليس صلاة فحسب، بل اعتراف كنسي جامع يُتلى حتى يومنا هذا في معظم الكنائس لتأكيد وحدة العقيدة رغم اختلاف الطقوس واللغات، بوصفه النص العقائدي الأكثر وحدة في المسيحية، وإعلانٌ رسمي تُعلِن فيه الكنيسة والمؤمنون إيمانهم بالآب والابن والروح القدس، وبالكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية، وبالمعمودية، والقيامة، والحياة الأبدية: تبدأ كلماته ب«نؤمن بإلهٍ واحد، الله الآب الضابط الكل، خالق السماء والأرض، وكل ما يُرى وما لا يُرى…».

ومن نيقيا الى اسطنبول القسطنطينية قديماً لما لها من رمز ديني حيث انتشرت المسيحية فيها منذ القرن الأول الميلادي، كما كانت عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ومركزاً رئيسياً للمسيحية الشرقية.الا انه لم يزور كاتدرائية آيا صوفيا بعد تحويلها الى جامع، على أمل بعد هذه الزيارة الودية ودعوة قداسته إلى العيش المشترك المبني على التسامح، العدل، واحترام الحقوق المتبادلة، ان يعيدوها الى أصلها وأهلها.

ومن تركيا ليطأ ارض لبنان في 30 تشرين الثاني حتى 2 كانون الأول 2025 في رحلته الأولى له نحو الشرق. وفي لحظة مؤثرة، في انتقال رمزي من المكان الذي وُلدت فيه صيغة العقيدة الجامعة، إلى بلدٍ يُجسّد بصيغته الاجتماعية والتاريخية معنى التنوّع والوحدة. فلبنان الذي عُرف بكونه ملتقى الحضارات ومهد الحوارات الدينية والثقافية. وقد حملت الزيارة في مضامينها رسالة واضحة للعالم مفادها أن الجذور التاريخية للإيمان تُثمر حين تتصل بإنسان اليوم، وأن الحوارات الكبرى تبدأ من احترام الذاكرة، لكنها لا تكتمل إلا بصناعة الرجاء.

خصّ قداسة البابا لاوون الرابع عشر لبنان خاتمة الرحلة ووجه رجائها، وهي زيارة سلام ورجاء لبلد مزقته الحروب. أعطى لها عنوان «طوبى لصانعي السلام» فقد دعا قداسته لبنان الى القيامة والنهوض وأن يكون بيتاً للعدل والأخوّة ونبوءة سلام لكلّ المشرق. لذا حملت الزيارة تأكيدا على دور لبنان المحوري والإيجابي في الشرق الأوسط، حاملًا رسالة الدعم والسلام للبنانيين ولمسيحيي المشرق.

انهي ببعض اقوال البابا الداعية لسلام: انه لا سلام من دون ارتداد القلوب، والسلام هنا أكثر بكثير من مجرد كلمة، السلام هو رغبة ودعوة.
الاستمرار في الأمل حتى وسط ضجيج إطلاق النار.
أنتم شعب لا يستسلم، ولكن عندما تواجهون الشدائد تعرفون دائمًا كيف تنهضون من جديد بشجاعة، فمرونتكم هي سمة أساسية لصانعي السلام الحقيقيين.

هل سيلتزم زعماء لبنان بما طلبه قداسة البابا منهم لخلاص لبنان!

شكراً بابا السلام والى اللقاء!

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات