بينما تعمل دول العالم على الاستفادة من الطاقة المتجددة التي تتزايد حصتها من اجمالي الطاقة المستخدمة، برز في الامس اجتماع السراي الحكومي الذي ضم الى رئيس الحكومة ووزير الطاقة اللبنانيين وفد من كهرباء فرنسا والحديث عن خطة لإقامة ثلاثة معامل حرارية جديدة. الامر الذي يدعوا الى التساؤل إذا ما كان القيمين على وزارة الطاقة على علم بحجم الطاقة المتجددة التي أقامها اللبنانيون بمبادرات فردية كبديل عن كهرباء الدولة المقطوعة وكهرباء المولدات المرتفعة الكلفة. ورب سائل الا يكفي ما لدينا من معامل حرارية تعمل جزئياً لعدم توفر الأموال لتأمين ما تحتاجه من محروقات، حتى نضيف عليها اليوم ثلاثة معامل جديدة؟
وإذا كانت الآمال تكبر “بإنتاج غاز محلي” بعد ترسيم الحدود الجنوبية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان واقتراب موعد بدء الحفر بحثاً عن الغاز في الرقعة رقم 9، فذلك لا يبرر السعي الى إقامة المزيد من المعامل في حين تزيد قدرة المعامل الحالية على الــ 2000 ميغا وات، ولم يصل استثمارها الى قدرتها القصوى منذ انشائها. بناءً عليه إن الإدارة الواقعية لملف الطاقة تستوجب التوجه الى المصادر البديلة وخاصة المتجددة في ظل الحاجة الدائمة الى تمويل غير متوفر لاستيراد الفيول الضروري لتشغيل المعامل الحرارية. مع العلم أنّ التحول الى الطاقة المتجددة لم يعد يقتصر على الدول التي تفتقر للنفط والغاز، لا بل أصبح هدف الدول المنتجة للبترول والامثلة كثيرة.
وبينما كان الحد من ارتفاع حرارة الارض والتغير المناخي الدافع الى هذا الخيار، اضحى هذا التوجه أحد الخيارات الاقتصادية الملحة نتيجةً لعدم استقرار أسعار النفط والغاز بالإضافة الى ما تُسببه انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون من ارتفاع في حرارة الأرض ومخاطر تُهدد الحياة البشرية. وقد توجت مساعي الدول التي اجتمعت في باريس نهاية العام 2015، باتفاقية في إطار الأمم المتحدة لمكافحة تغير المناخ وتسريع وتكثيف الإجراءات والاستثمارات اللازمة لمستقبل مستدام منخفض الكربون.
وعزز توجه الدول المتقدمة الى الطاقة النظيفة والمتجددة التي تطورت تقنياتها وانخفضت تكاليفها لتزيد من الجدوى الاقتصادية من استخدامها، الحرب الروسية الأوكرانية التي اطاحت باستقرار أسواق النفط والغاز ورفعت الأسعار بشكل متسارع. علماً ان الطاقة النظيفة والمتجددة تُشكل اليوم نسبة تُقارب الــ 29% من اجمالي الطاقة المستهلكة على مستوى العالم، وهي نسبة مرشحة الى الارتفاع سنة بعد سنة مع الاقتراب من العام 2050 موعد تحقيق هدف الصفر انبعاثات باستخدام الطاقية النظيفة والمتجددة.
وتجدر الإشارة الى أنّ لبنان من بين الدول الموقعة على اتفاقية مكافحة تغير المناخ التي التزم بموجبها ان تساهم الطاقة المتجددة بنسبة 12% من اجمالي استهلاك لبنان للطاقة بحلول العام 2020 على ان تصل الى 30% في العام 2030، لم يُحقق منها الا النذر اليسير على الرغم من أنّ لبنان احوج ما يكون الى تخفيض فاتورة استيراده من المشتقات النفطية لإنتاج الطاقة الكهربائية. مع العلم أن لدى لبنان منذ الستينات معامل لإنتاج الطاقة الكهرومائية الجزء الأكبر منها بحاجة الى إعادة تأهيل، ويتمتع بثلاثمئة يوم مشمس على مدار السنة وتسمح سرعة رياحه بتوليد الطاقة الكهربائية خاصة في الشمال.
وكان لإبقاء الدولة على سعر الكيلوواط ساعة اقل من كلفته الحقيقية من ناحية وغياب البرامج التي تحفز الافراد والمؤسسات على التحول الى الطاقة المتجددة من ناحية ثانية، السبب المباشر لعدم اهتمام اللبنانيين وحتى المقتدرين منهم مالياً، في التحول الى الطاقة المتجددة على الرغم من ميزاتها لجهة الاستدامة والتكلفة المعقولة. في الوقت الذي كانت تراكم فيه الدولة المزيد من الدين العام لشراء الفيول لتشغيل المعامل والقيام بأعمال الصيانة، من دون ان تتمكن من استعادة الا نسبة محدودة من هذه التكاليف.
وبعد أن كان اقبال اللبنانيين على الاستفادة من الطاقة المتجددة وخاصةً الطاقة الشمسية خجولاً حتى العام 2020، حيث اقتصرت وتيرة انتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية على ما يُعادل 100 ميغاواط على مدى عشرة أعوام بدءاً من العام 2010، ارتفعت هذه الوتيرة في العام 2021 مع اضافة 100 ميغاواط، فيما من المرجح أن يكون قد تم في العام 2022 إضافة ما يُقارب 250 ميغاواط على السعة السابقة ليُشكل المجموع قُرابة الــ 450 ميغاواط وتعادل حجم الإنتاج الذي تعدنا به المرحلة الثانية من خطة وزارة الطاقة بصِيغَتها الأخيرة الموزعة على ثلاثة مراحل.
ولا تقتصر الطاقة المتجددة التي يُمكن للبنان الاستفادة منها على الطاقة الشمسية، بل تتعداها الى الكتلة الحيوية وتحديداً النفايات التي يُنتج منها لبنان حوالي الــ ٤٠٠٠ طن يومياً اي ما يعادل الــ ١٫٣٨١ مليون طن سنوياً، وهي تمثل مواد أولية غير مستغلة ومصدراً للوقود المتجدد. في الوقت الذي تقتصر إدارة هذه النفايات على دفنها في مطامر ما عادت تتسع للمزيد منها مع ما يُشكله الطمر من مخاطر على البيئة والسلامة العامة. فيما التقاعس عن معالجة هذه النفايات والاستفادة منها بتوليد الطاقة الكهربائية يزيد من الأعباء المالية والدين العام ويسمح باستمرار المجزرة البيئية وتداعياتها الصحية.
وكان من الممكن للبنان أن يُطور تجربة مطمر الناعمة حيث تم انتاج الكهرباء من مولدات تعمل على غاز الميثان المنبعث من المطمر وغذى القرى المحيطة، الا أنّ قصور الإدارة المسؤولة أدى الى توقفه عن الإنتاج. وبينما مطمر طرابلس ومثله مطمر برج حمود يُهددان بكارثة بيئية فيما المنطقة المحيطة بهما متعطشة للطاقة الكهربائية، تتلكأ الإدارة عينها عن السعي للإفادة من انبعاثات هذه المطامر بتوفيرها الطاقة الكهربائية للمناطق المحيطة بها وتخفيض فاتورة الفيول التي ارهقت الخزينة. مع العلم ان محطات تحويل النفايات إلى طاقة في أوروبا أنتجت خلال العام 2018 حوالي 40 مليار كيلوواط ساعة من الكهرباء و90 مليار كيلوواط ساعة من الحرارة، والتي زودت 18 مليون مواطن بالكهرباء ودفأت 15.2 مليون مواطن.
انطلاقاً مما تقدم لا يُمكن الحديث عن خطط لمعالجة النقص الكبير في انتاج الطاقة الكهربائية التي يُعاني منها لبنان منذ حطت الحرب الاهلية السيئة الذكر اوزارها في العام 1991، من دون اعتماد الطاقة المتجددة كمصدر أساسي للطاقة الكهربائية الى جانب المصادر الحالية. وبعد كل هذه المراوحة والخطط العشوائية التي يُعاني منها قطاع إنتاج الكهرباء لا بد من تغيير الذهنية التي أدير بها القطاع على مدى ربع قرنٍ ونيف والاخذ في الاعتبار التوجهات العالمية والتطورات التقنية التي طرأت فيما كان غبار الصراع السياسي من ناحية والفساد الإداري من ناحية ثانية يُعمي بصيرة المسؤولين.

