Reading in العربية (Arabic) | Read in English
نادراً ما يخذل كاظم الساهر جمهوره؛ لأن العلاقة معه لم تكن يوماً علاقة مستمعٍ بمطرب، بل علاقة عراقي بقطعةٍ من ذاكرته
صوته وموسيقاه، منذ الثمانينيات، لم يكونا مجرّد غناء، بل محاولةً دائمة لترميم الروح بالإبداع
بالنسبة لي شخصياً، ولكثير ممن عاصروا فنه الملتزم الراقي، هو الشجن بشموخ، هو كيف نسرد ونخبّئ وجعنا في أغنية
(متى)، التي كتب كلماتها الساهر بنفسه ولحنها لنفسه، شكلت مجموعة الأبوذيات فيها قوام الأغنية وعمودها وتفاصيلها. وبدا الاستماع إليها أشبه بمصالحةٍ مؤجلة مع ثمانينيات كاظم
الأبوذيّة العراقية ليست قالباً شعبياً عابراً، بل واحدة من أكثر البنى الشعرية العراقية كثافةً في الشعور، وصدقاً في الوجع، وبلاغةً في الاختزال. هي حالة وجدانية جنوبية الجغرافيا والمنشأ؛ ابنةُ الجنوب والأهوار وفراتنا الأوسط، حيث الغياب والليل الطويل. كلماتُ الأبوذية مثقلة بطين الفقد، ورائحة الماء، وصوت الرجال الذين يتقنون إخفاء انكساراتهم
غير أن قوام (متى) الشعري لم يبلغ عمق الأبوذيات التي يحفظها العراقيون عن ظهر قلب، ولم ترتقِ أبوذيات كاظم إلى قامته الفنية؛ قامة رجلٍ عرف، أكثر من غيره، كيف يحوّل الشجن العراقي إلى موسيقى خالدة. بدت الأبوذيات مترددة وبسيطة، تلوّح بعباءة الجنوبي من بعيد، لكنها لا تقترب من وجعه الحقيقي
أما موسيقى «متى»، فهي أكثر ما خذلني في هذه الطقطوقة
لكاظم الساهر، الموسيقار العبقري، ميزةٌ جعلته مختلفاً عمّن سبقه ومن لحقه من كبار موسيقيي الشرق، وهي: البناء الدرامي للأغنية. في أعماله الكبرى، لا يكون اللحن مكملاً للنص، بل يصبح النص نفسه وقد تحوّل إلى موسيقى. ومن جملة موسيقية بنغمة كمان أو عود أو ساكسفون، كنا نفهم ثيمة المقطع في ذاك العمل الموسيقي؛ نفهمه كحكاية تروى، وفي أحيان أخرى كرواية من فصول هكذا كنت أشاهد موسيقى كاظم كمشاهد درامية تروي لي قصة متكاملة، حتى لو لم يصاحبها أي كلام أو طرب أو “عُرَبْ” (كما يحلو للمطربين تسمية بعض المغنى من الكلمات). إنه بناء درامي يجعلني أشعر بخذلان من انخذل بانكسار الإيقاع، وأعرف لحظة الوجد أو الفقد من ارتعاشة الناي
تلك هي عبقرية الساهر: أن يوظف الآلات في ألحان مستلهمة من ثقافة عراقنا السومري الأكدي البابلي الآشوري الغني، ويبدع متفرداً في تلك الخصوصية لتنطق القصيدة بمشاهد درامية متكاملة
غير أن «متى» جاءت هذه المرّة بلحنٍ راقص، خفيفٍ على أكتاف كلماتٍ أبوذية يُفترض أن يقطر طيناً ووجعاً
بدت الأغنية وكأنها عاجزة عن حسم هويتها: هل تريد أن تكون وجعاً جنوبياً عراقياً أم أغنية عربية إيقاعية معاصرة؟
التوزيع الموسيقي بدا هو الآخر مرتبكاً؛ فالآلات تتنازع مزاج الأغنية بدلاً من أن تتوحّد داخله، و”الصفگة” أفقدت العمل انسجامه الداخلي، فأُلبس النص الحزين إيقاعاً لا يشبه دموعه
في القفلة الأخيرة فقط، عاد شيءٌ من ذلك الساهر القديم؛ عاد الذي يعرف كيف ينتشل المستمع من فتور اللحن بجملةٍ واحدة، وكيف يعيد الهيبة المتداعية بخاتمةٍ متأخرة أنقذ القفلة… لكنه لم ينقذ الرحلة إليها


