أزمات متلاحقة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي
Spread the love

Reading in العربية (Arabic) | Read in English

أظهرت الحرب الأخيرة وما رافقها من تطورات دولية متسارعة وتداعيات جيوسياسية واقتصادية واسعة، أن الاقتصاد العالمي قد دخل مرحلة جديدة يُطلق عليها خبراء بـ «اقتصاد الأزمات»، حيث أضحت الأزمات المتلاحقة سمة من سمات النظام الاقتصادي العالمي. ويأتي ذلك بعد مرحلة طويلة ازدهرت خلالها العولمة الاقتصادية، القائمة على انسياب السلع ورؤوس الأموال وسلاسل الإنتاج والتوريد عبر الحدود، والتي طبعت الفترة الممتدة من بداية تسعينيات القرن العشرين وحتى أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

ارتفاع معدلات التضخم والمديونية

بدأت ملامح هذا التحول بالظهور مع الأزمة المالية العالمية عام 2008 التي كشفت هشاشة النظام الاقتصادي العالمي وأدت إلى تباطؤ نمو التجارة الدولية. لتليها عام 2020 جائحة “كوفيد-19” لتفاقم الاختلالات القائمة، بعدما تسببت في اضطراب غير مسبوق لسلاسل الإنتاج والإمداد. ولم تكد الاقتصادات العالمية تتعافى من تداعيات الجائحة حتى اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، التي أطلقت أزمة طاقة حادة في أوروبا وأزمة غذاء عالمية، لتتوالى بعدها الصدمات الاقتصادية والمالية بوتيرة متسارعة.

بالتوازي مع هذه التطورات، برز التضخم كأحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي. فقد ارتفع معدل التضخم العالمي إلى نحو 8.7% في عام2022، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ ما يقارب أربعة عقود، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد كلفة النقل والإنتاج. ما دفع بالبنوك المركزية إلى اعتماد سياسات نقدية متشددة، حيث رفع الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة من مستويات تقارب الصفر في مطلع عام 2022 إلى أكثر من 5% خلال أقل من ثمانية عشر شهرًا، في واحدة من أسرع دورات التشديد النقدي في تاريخه الحديث.

ورغم أن هذه الإجراءات ساهمت في الحد من الضغوط التضخمية وتجنب ركود عالمي حاد، فإنها رفعت كلفة خدمة الدين العام وزادت الضغوط على الحكومات والشركات والأفراد. وقد تزامن ذلك مع بلوغ المديونية العالمية مستويات قياسية، حيث تجاوز إجمالي الدين العام العالمي 324 تريليون دولار مطلع عام 2025، أي ما يعادل نحو 325% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الأمر الذي زاد من هشاشة الاقتصادات الناشئة والدول منخفضة الدخل وقلّص قدرتها على تمويل مشاريع التنمية والاستثمار.

عودة إلى الحمائية الاقتصادية

وقد كان لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب دور بارز في تسريع هذا التحول، من خلال تبني نهج اقتصادي يقوم على الحمائية التجارية، وفرض الرسوم الجمركية، وإعادة التفاوض بشأن الاتفاقيات التجارية، وتشجيع إعادة توطين الصناعات داخل الولايات المتحدة. ومع تصاعد التوترات التجارية، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، ثم تفاقم النزاعات والحروب الإقليمية والعقوبات الاقتصادية، بدأت العولمة تفقد بعضاً من زخمها الذي تمتعت به لعقود.

وأدى ذلك إلى إعادة رسم خرائط التجارة العالمية والاستثمار الدولي، وإلى إعادة النظر في مفهوم الاعتماد المتبادل بين الدول، بعدما أصبحت اعتبارات الأمن القومي والسيادة الاقتصادية، وتأمين السلع الاستراتيجية تتقدم في كثير من الأحيان على اعتبارات خفض الكلفة والكفاءة الاقتصادية. وهكذا فرضت التحولات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة واقعًا اقتصاديًا جديدًا، أعاد تشكيل قواعد التجارة والاستثمار الدوليين.

الحرب الأخيرة وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي

أما الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران فلم تؤدِّ إلى إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي من خلال آثارها العسكرية المباشرة فحسب، بل من خلال تعميقها للأزمات التي تجتاح النظام الاقتصادي الدولي. فقد كشفت هذه الحرب مدى ارتباط الاقتصاد العالمي بالمخاطر الجيوسياسية، وأظهرت أن أي مواجهة عسكرية في منطقة الخليج أو غيرها من المناطق الاستراتيجية في العالم، قادرة على إحداث تداعيات تتجاوز حدود الإقليم لتطال أسواق الطاقة والتجارة والمال في مختلف أنحاء العالم.

كما أعادت هذه الحرب هاجس أمن الطاقة العالمي إلى الواجهة، لا سيما أزمة سبعينيات القرن الماضي، نظراً إلى الموقع الاستراتيجي لإيران المشرف على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية. وقد أدى تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات إلى تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات وعلى معدلات التضخم العالمية.

وفي المقابل، دفعت هذه التطورات العديد من الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الاقتصادية، من خلال تنويع مصادر الطاقة وسلاسل التوريد، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتقليص الاعتماد على الممرات التجارية الحساسة، بما يحد من آثار أي اضطرابات جيوسياسية مستقبلية. وعلى الصعيد المالي، ومع ارتفاع حالة عدم اليقين التي تهيمن على الأسواق العالمية، لجأت الدول والمستثمرون إلى الأصول الآمنة لا سيما الذهب والفضة.

مرونة وتنويع لمواجهة اقتصاد الأزمات

تكشف هذه التحولات مجتمعة أن الاقتصاد العالمي لم يعد محكوماً بمنطق العولمة التقليدية الذي ساد لعقود، بل دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والاستراتيجية. ففي عالم تتزايد فيه الصراعات والتوترات الجيوسياسية، لم تعد قدرة الدول تُقاس فقط بحجم إنتاجها أو معدلات نموها، بل أيضاً بقدرتها على الصمود أمام الصدمات وتأمين احتياجاتها الحيوية والحفاظ على استقرارها الاقتصادي.

ومن هنا، يبدو أن «اقتصاد الأزمات» لن يكون مرحلة عابرة، بل إطاراً حاكماً للاقتصاد العالمي في المستقبل المنظور، ما يفرض على الدول إعادة صياغة سياساتها الاقتصادية على أسس أكثر مرونة واستدامة وقدرة على مواجهة المتغيرات المتسارعة. ففي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، ستبقى المرونة الاقتصادية والحوكمة الرشيدة والابتكار المستدام الركائز الأساسية لضمان الاستقرار والازدهار.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات