اللبنانيون بين ســــندان الليرة ومطرقة الدولار
Spread the love

استخدام الدولار الأميركي في التعاملات الداخلية ليس بجديد على اللبنانيين، والبداية كانت منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية ومن ثم في مطلع التسعينيات منه وتحديداً في العام 1992. وعلى الرغم من تثبيت متوسط سعر صرف الدولار الواحد عند 1507,5 ليرات لبنانية وما وفره ذلك من حالة استقرار اقتصادي، إلا أنّ تداول الدولار الأميركي استمر في الأسواق المحلية وغالباً ما كانت تُسَعَّر السلع والخدمات بالدولار الى جانب السعر بالليرة اللبنانية خلافاٌ للقانون وبغض نظر من المسؤولين.

وكان حال المساكنة بين الليرة والدولار مؤهل للاستمرار من دون تعديل لولا الانهيار المتمادي للّيرة اللبنانية وفقدانها لما يزيد عن 97% من قيمتها. وقد كشف اقفال المصارف لأبوابها غداة تظاهرات 17 تشرين الأول من العام 2019 وما لحقه من قيود على التحاويل والسحوبات، عجزها عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه المودعين ما زعزع الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني وبالليرة اللبنانية كوحدة حساب ومخزنٍ للقيمة. وتوالت الخسائر اللاحقة بقيمة الليرة بشكلٍ يومي فيما الأسعار أخذت بالارتفاع بوتيرة معاكسة وبنسبٍ تفوق معدل الانخفاض بقيمة الليرة، الامر الذي ادخل الاقتصاد في حلقة تضخمية تتوالى فصولها يوماً بعد يوم.

وغالباً ما تأتي الدولرة في إطار محاولات الدول للحد من التضخم المرتفع، والوضع الشائع في البلدان النامية هو أن يبدأ المواطنون في استخدام عملة أجنبية قوية، مثل الدولار الأمريكي، لتوزيع مخاطر التضخم المرتبطة بضعف النقد المحلي. فالتدني المتواصل في القوة الشرائية للعملة الوطنية يؤدي في النهاية إلى دولرة الاقتصاد. ويُشكل وضع لبنان اليوم أوضح مثال على حالة الدول حيث يدفع التضخم المتمادي فيها والمترافق مع تدني قيمة عملتها الوطنية بشكل متلاحق، مواطنيها الى اللجوء الى الدولار الأميركي ممهدين الطريق للدولرة وتبعاتها.

وبينما لم يتضح من شروط البنك الدولي أي توجه يدفع بلبنان نحو الدولرة، يتم التأكيد يوماً بعد يوم على ضرورة وأهمية تنفيذ إصلاحات شاملة تضع لبنان واقتصاده في الاتجاه الصحيح. اما خطورة الدولرة فهي في فقدان الدولة لمقوّمات حماية المواطنين وادواتها لا سيما منها انهاء دور المصرف المركزي الناظم للسياسات النقدية (على اخطائها)، الامر الذي يُثير مخاوف جدية من السير نحو الدولرة الشاملة في غياب أي خطة إنقاذية وأي رؤية للإصلاح المنشود.

والمضي في الدولرة إذا ما تم أمرٌ لا رجعة عنه، ومن تداعياته انهاء العملة الوطنية التي تُشكل أحد رموز السيادة الوطنية ومصدراً من مصادر تمويل الدولة بعيداً عن القيود الخارجية. في المقابل لا يوجد ببساطة نظام صرف واحد هو الأفضل لكل الدول، فلكل دولة ظروفها المالية والاقتصادية التي تُحدد نظام الصرف الافضل. وكان لنظام الصرف المحلي الذي اعتمد على تثبيت سعر الصرف أن يجنب الليرة هذه النهاية المأساوية، لولا الاعتداءات الإسرائيلية من جهة والمناكفات السياسية الداخلية من جهة ثانية.

وجدير بالذكر أنّ الدولرة لا تقتصر على تسعير السلع والخدمات بالدولار الأميركي، وهذا الامر مطبق في لبنان بشكل مباشر وغير مباشر انما من غير مسوغ قانوني كما سبقت الإشارة. الا أن لجوء حكومة تصريف الاعمال الى تغطية دولرة الأسعار بصورةٍ رسمية يُشكل فاتحة للدولرة بمعناها الواسع، ويُرتب تبعات على الدولة لجهة تحويل الإنفاق الحكومي إلى الدولار، وجباية الضرائب بالدولار بالإضافة الى تحديد مسار تقاعد الليرة.

وإذا كان الإعلان عن الأسعار بالدولار الأميركي يُعطي انطباعاً باستقرار الأسعار لذوي الدخل بالدولار، فان الجانب الإيجابي في ذلك إذا ما توفر هو الحؤول دون زيادة ما نسبته 15% وربما أكثر على الأسعار المقومة بالليرة بالإضافة الى الأرباح، كإجراء استباقي يعتمده العديد من التجار والمؤسسات التجارية لمواجهة احتمال ارتفاع سعر الصرف.

في المقابل إنّ الهدف من دولرة الأسعار وبما لا يدعوا للشك هو الحفاظ على رأسمال التجار والمؤسسات التجارية (أو تعويض المخزون)، وهو حق لا يُمكن تخطيه إذا ما سلمنا بأهمية استمرار عمل هذه المرافق على صعيد الاقتصاد الوطني. بينما تُشكل النسب المضافة على الأسعار بالليرة من باب التحوط لارتفاع سعر الصرف استنزاف إضافي للقوة الشرائية للمستهلك اللبناني.

اما تحقيق الاستقرار بالأسعار عامةً وسعر الصرف خاصةً فيتطلب خطوات ابعد من مجرد الأسعار المدولرة، سيما وان 60% من العاملين في لبنان هم اجراء وأنّ 90% منهم يتقاضون اجورهم بالليرة اللبنانية (بحسب الخبير الاقتصادي كمال حمدان)، مما يدعوا الى التساؤل من أين يأتي هؤلاء بالدولارات لتلبية حاجاتهم اليومية في ظل الانخفاض المتواصل للعملة الوطنية.

وفي هذا الإطار يُمكن اعتبار سحب رواتب موظفي القطاع العام بالدولار الأميركي على سعر صيرفة شكل من اشكال الدولرة، اما استثناء رواتب القطاع الخاص منها فيهدد التضامن الاجتماعي ويؤكد عدم صلاحية هذا التدبير ليكون حلاً شاملاً للحد من الآثار السلبية لتقلبات سعر الصرف. وذلك لأن العقبة الأساسية امام الدولرة هي تسديد الدولة لنفقاتها بالدولار الأميركي، وأول هذه النفقات التي يتوجب دفعها بالدولار الرواتب التي تُشكل الجزء الأكبر من نفقاتها الجارية.

وتحصيل الدولة للرسوم والضرائب بالدولار الأميركي من مكلفين يتقاضى الجزء الأكبر منهم مداخيله بالعملة الوطنية، يُشكل عقبةً بدوره في وجه الدولرة. مع العلم ان ثمة قرارات لوزارة المالية بخصوص الضرائب على الدخل بالدولار، لا تزال موضع اخذٍ ورد بين المكلفين والوزارة المعنية. في الوقت الذي يسعى فيه المكلفون مؤسسات وافراد الى الاستفادة من عجز السلطة السياسية عن تحديد رؤية للحل الشامل للازمة المالية والاقتصادية الذي يتخبط فيها لبنان.

اما وقد وصلت الازمة المالية والاقتصادية التي تعصف بلبنان وتزعزع استقراره وتهدد كيانه ومستقبله، فلا بد من وصول السلطة السياسية الى رؤية مستقبلية كفيلة بوقف الانهيار وتؤسس لمعاودة الانطلاق بأوجهه المختلفة انطلاقاً من تُحديد الدور الذي يُمكن للبنان ان يلعبه بين اترابه العرب ليُصار الى بلورة الخطط الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف. ذلك أنّ الحلول الجزئية أو المبتورة تُطيل من أمد الازمة وتزيد من العقبات في طريق إيجاد الحلول، وتبقى العبرة في النتائج لا في العناوين والتسميات.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات