سؤال حول الفنادق الأمريكية كشف عن “أعظم قصة هجرة لم تروَ قط”
Spread the love

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) — بإحدى الصور يصطف الأطفال الصغار وهم يرتدون قبعات وثياب التخرّج البيضاء. وفي صورة أخرى، يتخذ أفراد عائلة وضعيات لصور رسمية في حفل زفاف.

هذه المشاهد من طفولة أمار شاه تظهر على الشاشة في فيلم جديد، وما يجمع بين أنها التُقطت في موتيلات تملكها عائلات مهاجرة من الهند.

وقد نشأ شاه وسط هذا الجو.

كان والداه يعملان في مجال محطات الوقود، بينما كان الأقارب والأصدقاء المقربون يملكون موتيلات. لكن شاه لم يرغب بالسير على خطاهم، لأنها “مهنة شاقة تنتمي للطبقة العاملة، وكنت أشعر ببعض الإحراج منها”. 

لكنه الآن، بعمر الخامسة والأربعين، يرى الأمور بشكل مختلف. ويأمل أن يراها الآخرون كذلك.

كيف أدى سؤال عن الفنادق الأمريكية إلى "أعظم قصة هجرة لم ترو قط"
المخرج عمار شاه مع والدته، فارشا شاه، في منتصف الثمانينيات في ولاية نيوجيرسي. نشأ شاه في قطاع محطات الوقود ومتاجر التجزئة، وهو قطاع يقول إنه كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بقطاع الفنادقCredit: Courtesy Amar Shah

الفيلم القصير الجديد الذي شارك في إخراجه ويقوم بسرده، بعنوان “قصة موتيل باتيل”، عُرض لأول مرة في مهرجان تريبيكا بنيويورك في يونيو/ حزيران الماضي، ويعرض هذا الشهر بمهرجانات فنية في أنحاء الولايات المتحدة.

ويبدأ الفيلم بتفصيل مذهل، بحسب وصف شاه، عن المهاجرين الهنود وأبنائهم:”نملك أكثر من 60% من الفنادق والموتيلات في الولايات المتحدة، من الموتيلات المنتشرة على جوانب الطرق إلى فنادق الفور سيزون، رغم أننا لا نشكل سوى 1% من السكان”.

هذه الموتيلات التي كانت الخلفية الدائمة لطفولته، كانت في الواقع جزءًا من شيء أعظم بكثير مما كان يتصور حينها. وروى إنّ “أقاربي في وسط فلوريدا الذين بقوا لإدارة الموتيلات لم يكونوا عالقين… بل كانوا يبنون في هدوء إمبراطوريات عقارية”.

وأضاف أن فريق العمل في الفيلم انطلق من سؤال بسيط:”كيف بدأ كل هذا؟” وكانت الإجابة مفاجئة.

موتيلات في أمريكا
المخرج أمار شاه (يمين) في حفل زفاف صديقة الطفولة بيجال باتيل. ساعد زوج بيجال باتيل، روبش باتيل، في تعريف شاه وزملائه من صناع الفيلم على مالكي موتيلات وفنادق آخرين. Credit: Patel Motel

وتعمل مجموعة صحفية تروّج للفيلم على إبراز نقطة لافتة: “أكبر اسم في عالم الفنادق ليس هيلتون أو ماريوت أو حتى ريتز، بل باتيل”. ويصف صناع الفيلم هذا الأمر بأنه “أعظم قصة هجرة لم تروَ من قبل”.

وتفيد جمعية الفنادق الأمريكية الآسيوية أن أكثر من 33 ألف فندق وموتيل مملوك لأعضائها، يوفر ملايين الوظائف ويولّد مليارات الدولارات من العائدات سنويًا.

ودور الأمريكيون الهنود في صناعة الفنادق قصة معروفة وقد درس العلماء هذه الظاهرة، وكانت محور أفلام وكتاب صوتي حديث، وحتى ضمن فقرة للممثل الكوميدي حسن منهاج.

إذ قال منهاج مازحًا في عرض “نتفليكس” العام 2022: “هل لاحظتم أن كل موتيل نزلتم فيه مملوك لأشخاص هنود؟ انظروا إلى اسم العائلة: ‘باتيل’. هم جميعًا من جزء واحد من الهند، وكلهم مرتبطون ببعضهم”.

وينحدر العديد من مالكي الفنادق من ولاية غوجارات الهندية، ويشارك كثيرون منهم لقب “باتيل” الشائع في تلك المنطقة.

ورغم أن الموضوع حظي باهتمام أكبر، إلا أنه لا يزال درسًا غير شائع في كتب التاريخ الأمريكية. وقال شاه وزملاؤه من صناع الفيلم إنهم أدركوا أن هناك قصة أكبر تستحق أن تُروى.

موتيلات في أمريكا
المخرجان راؤول روهاتجي وأمار شاه والمنتج ميلان تشاكرابورتي في مؤتمر جمعية مالكي الفنادق الأمريكية الآسيوية لعام 2022 في بالتيمور بولاية ماريلاند.Credit: Courtesy Amar Shah and Rahul Rohatgi

ويصف شاه صناعة الفيلم بأنها رحلة شخصية عميقة. إذ نشأت عائلته في الولايات المتحدة آتية من ولاية غوجارات الهندية. كان شاه يصف نفسه بـ”طفل العداد”، إذ كان يساعد في محل البقالة التابع لمحطة وقود والديه في منطقة دي لاند، بولاية فلوريدا، أثناء قيامه بواجباته الدراسية.

ولفت شاه إلى أنّ مشهد “طفل العداد” كان متشابكًا جدًا مع عالم “أطفال الفنادق”، وهم أبناء مالكي الفنادق الذين نشأوا وهم يردون على الهواتف، ويستقبلون الضيوف، وينظفون الغرف إلى جانب عائلاتهم.

وعندما حان وقت اختيار شاه لمسار حياته المهنية، اتجه في مسار مختلف، حيث درس الصحافة في الجامعة، وأصبح كاتبًا ومنتجًا تلفزيونيًا في شبكة “ESPN”، ثم عمل لصالح دوري كرة القدم الأمريكية وعدد من الشركات والفرق الرياضية.

لكنه نظر أخيرًا إلى سيرته الذاتية باحثًا عن قصص يرويها. فعندما حاول تتبع أصل سيطرة الأمريكيين الهنود على صناعة الفنادق، استعاد شاه صلته مع ماضيه. وساعده صديق للعائلة على استكشاف أروقة مؤتمر AAHOACON السنوي لجمعية مالكي الفنادق.

وصف شاه الحدث بـ”أنه مماثل للسوبر بول في مجال الضيافة”، مشبّهًا الحدث بمزيج بين معرض تجاري ضخم وحفل زفاف هندي. 

وذهب شاه، والمخرج المشارك راؤول روهاتجي إلى مؤتمر دالاس في العام 2021، على أمل إقامة علاقات من أجل مشروعهم. ولم يمر وقت طويل حتى التقوا بعشرات من مالكي الفنادق، كل منهم يحمل قصة يرويها. لكن  لغزًا أساسيًا، أي كيف بدأت هذه القصة الناجحة لريادة الأعمال؟

موتيلات في أمريكا
أحفاد أصحاب الفنادق الأصليين لعائلة باتيل يجتمعون في حفل توقيع كتاب لدوشي..Credit: courtesy Amar Shah and Rahul Rohatgi

أوضح روهاتجي أن الأدلة بدأت تظهر من المقابلات كلما التقى بالمزيد من الأشخاص. ومع ذلك، كان ربط الخيوط أمرًا صعبًا. وقد ساعدهم في ذلك مؤرخ في ولاية كاليفورنيا في العثور على قطعة حاسمة من اللغز.

وعلم صناع الفيلم أن ماهيندرا دوشي، الصحفي المخضرم، كان يوثّق بدقة قصص عائلات مالكي الفنادق في كتابه “من سورات إلى سان فرانسيسكو: كيف أسس باتيل من جوجارات صناعة الفنادق في كاليفورنيا، 1942-1960”.

ويقول شاه: “لقد قضى ثماني سنوات يعمل على هذه السيرة المذهلة لكل هؤلاء الأشخاص المنسيين”.

وكان من أبرز ما ركّز عليه كتاب دوشي رجل سبق أن ذُكر اسمه في الفيلم عرضًا، أي كانجي مانشو ديشاي. وفيما وصفت روايات أخرى دوره، قدّم بحث دوشي صورة أكثر تفصيلًا.

وعلم صناع الفيلم من دوشي أن الرجل المعروف بـ”عراب فنادق الهنود في أمريكا” كان له قصة خلفية غير متوقعة.

رجل واحد وجيل من المهاجرين

موتيلات في أمريكا
شاه يجري مقابلة مع ماهيندرا دوشي، الذي ألهم كتابه فيلم “The Patel Motel Story”.Credit: Courtesy Amar Shah and Rahul Rohatgi

وكان ديشاي في الأصل من غوجارات. لكنه جاء إلى الولايات المتحدة في العام 1934 من ترينيداد، حيث عمل لسنوات كبائع متنقل قبل أن يسعى لوظيفة أفضل. بحسب دوشي، حصل على تأشيرة عمل لدخول الولايات المتحدة، لكنه بقي بعد انتهاء التأشيرة، فأصبح مهاجرًا غير موثق ووجد عملاً في حقول كاليفورنيا، ولاحقًا، أصبح “أول مالك فندق من عائلة باتيل”.

وعندما أُجبرت مالكة الفندق اليابانية الأمريكية التي كان يقيم فيه في ساكرامنتو بكاليفورنيا على الانتقال إلى معسكر اعتقال خلال الحرب العالمية الثانية، طلبت من ديشاي وأصدقائه الاعتناء بممتلكاتها.

ويكتب دوشي أن ديشاي احتضن المهمة “بحماس ونشاط”، حيث تولى استقبال النزلاء “بينما ساعده أصدقاؤه على الأعمال اليومية للفندق”.

وبعد الحرب، استأجر ديشاي فندقه الخاص في مدينة سان فرانسيسكو، فندق Goldfield. وهناك استقبل العديد من المهاجرين الجدد وأصبح معروفًا بالنصيحة التي كان يوجهها للآخرين من ولايته الأم: “إذا كنت من عائلة باتيل، استأجر فندقًا”.

وقدّم بحث دوشي الأساس الذي كان يبحث عنه صناع الفيلم. ومن هناك، أجروا مقابلات مع أحفاد العديد من العائلات التي ساعدها ديشاي.

وقال شاه: “كلما تحدثت مع الأشخاص الذين ساعدهم مباشرة وأقاربهم، أدركت حجم الدور الذي لعبه هذا الرجل في هذه القصة الكبيرة التي تقدر بمليارات الدولارات. ومع ذلك، كان مهاجرًا غير موثق نسياً منسياً”. 

رسالة تشجيع 

كان ديشاي يوجه رسائل إلى عائلات أصغوا إلى نصائحه وقصدوا أمريكا من الهند. أما مضمون الرسالة  فكان أن “هذا المكان ممتاز للأعمال. إنها فرصة جديدة. أعتقد أنه يمكنكم الاستقرار هن”.

وعند وصولهم كان يقدم لهم ديشاي السكن في فندقه بسان فرانسيسكو وأحيانًا قروضًا من دون فوائد لمساعدتهم على تمويل عقود استئجار الفنادق الأولى.

ويركز الفيلم بشكل كبير على قصة ديشاي، ضمنا المنعطف المأساوي في نهاية حياته.

التاريخ

عن الكاتب

المزيد من
المقالات