ليست كل الهجمات العسكرية تقاس بعدد الضحايا أو بحجم الخسائر التي تخلفها. فهناك عمليات لا تغير موازين القوى بقدر ما تغير طريقة قراءة الصراع نفسه. وما جرى في ميناء دمياط يدخل في هذا النوع من الأحداث التي تستحق التوقف عندها مليا.
حتى هذه اللحظة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم ولم تصدر نتائج رسمية تحسم هوية المنفذ. ومع ذلك فإن غياب التبني لا يعني غياب الرسالة. ففي الحروب الحديثة أصبح الغموض أحد أدوات الصراع وأصبح ترك الخصوم أمام عشرات الاحتمالات أكثر فاعلية في بعض الأحيان من إعلان المسؤولية بشكل مباشر.
من وجهة نظري فإن توقيت العملية ليس تفصيلا يمكن تجاهله. فمن الصعب قراءة ما حدث بمعزل عن الضربات التي استهدفت مواقع للحشد الشعبي في العراق قبل ساعات من الهجوم. لا أطرح هذه الفرضية باعتبارها حقيقة مؤكدة وإنما باعتبارها قراءة سياسية لتسلسل الأحداث وطبيعة المواجهة التي تشهدها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
إذا كان هذا التقدير صحيحا فإن الرسالة لم تكن موجهة إلى مصر ولم يكن الهدف الحقيقي هو المنشأة العائمة نفسها. الرسالة كانت موجهة إلى الولايات المتحدة وحلفائها ومفادها أن أي تصعيد لن يبقى محصورا داخل الساحات التقليدية وأن المصالح الأمريكية أينما وجدت يمكن أن تصبح جزءا من معادلة الرد والرد المضاد.
هذه هي النقطة التي تستحق الانتباه. فالصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الأرض أو تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة بل أصبح يدور حول القدرة على توسيع مساحة الاشتباك. وكلما توسعت الجغرافيا ارتفعت كلفة الحرب وتعقدت خيارات جميع الأطراف.
خلال السنوات الماضية اعتقد كثيرون أن المواجهة ستظل محصورة داخل العراق أو سوريا أو البحر الأحمر. لكن استهداف منشأة مرتبطة بمصالح أمريكية في ميناء يقع على البحر المتوسط يبعث برسالة مختلفة تماما. رسالة تقول إن خرائط الحرب لم تعد ثابتة وإن أي مكان يرتبط بالمصالح الاستراتيجية قد يجد نفسه فجأة داخل دائرة الاستهداف.
هذا النوع من الرسائل لا يهدف بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري مباشر بقدر ما يهدف إلى إرباك الحسابات السياسية والعسكرية للخصم. فعندما يصبح على الولايات المتحدة وحلفائها التفكير في حماية مصالحهم عبر مساحة جغرافية أوسع فإن تكلفة المواجهة تتضاعف حتى لو بقيت العمليات العسكرية محدودة.
ربما تكشف الأيام القادمة هوية الجهة التي نفذت الهجوم وربما تثبت التحقيقات فرضيات مختلفة تماما. لكن ذلك لن يغير حقيقة أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية الحدود التقليدية للحروب. فالجبهات لم تعد ترسمها الخرائط العسكرية وحدها بل أصبحت ترسمها الموانئ ومنشآت الطاقة وخطوط الملاحة والمصالح الاقتصادية.
أعتقد أن أخطر ما حمله هجوم دمياط ليس حجم الأضرار التي نتجت عنه وإنما الرسالة الكامنة خلفه. وهي أن الأطراف المنخرطة في هذا الصراع أصبحت تمتلك القدرة أو تسعى لإظهار قدرتها على نقل المواجهة إلى مساحات جديدة وفي توقيتات غير متوقعة. وهذه الرسالة في حد ذاتها قد تكون أكثر تأثيرا من العملية العسكرية نفسها.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة تختلف عن كل ما سبق. فإذا استمر منطق الضربات المتبادلة دون وجود مسار سياسي قادر على احتواء التصعيد فإن المنطقة قد تنتقل من صراع متعدد الجبهات إلى صراع بلا جبهات واضحة حيث تصبح المصالح الاقتصادية والبنية التحتية وممرات الطاقة أهدافا محتملة في أي لحظة.
قد يختلف الناس حول هوية المنفذ لكنهم سيجدون صعوبة أكبر في إنكار حقيقة واحدة وهي أن ما حدث في دمياط يؤشر إلى تحول في طبيعة الصراع أكثر مما يؤشر إلى حادث أمني منفصل. وعندما تبدأ الحروب في تجاوز حدود الخرائط فإن أحدا لا يستطيع أن يتنبأ أين ستكون المحطة التالية.



