Reading in العربية (Arabic) | Read in English
هل تعيد تركيا تموضعها في ليبيا أم تحاول التأثير في هندسة التسوية السياسية؟
لم يكن لقاء رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في أنقرة مجرد لقاء سياسي عابر، كما أن اختزال دلالاته في إطار التواصل التركي مع طرفين من أطراف الأزمة الليبية قد يكون قراءة ناقصة لمشهد أكثر تعقيداً.
فاللقاء جاء في لحظة سياسية شديدة السيولة، تتداخل فيها حالة الجمود التي أصابت المسار السياسي الليبي مع تعدد المبادرات الدولية والإقليمية، وتنافس القوى الليبية على الشرعية والنفوذ، ومحاولات عدد من العواصم إعادة ترتيب موقعها داخل المشهد الليبي استعداداً لمرحلة يبدو أن قواعدها لم تتحدد بعد.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما دار بين عقيلة صالح ومحمد تكالة، وإنما بما إذا كانت تركيا قد بدأت بالفعل في إعادة صياغة طريقة تعاملها مع الملف الليبي، والانتقال من سياسة تقوم أساساً على النفوذ المتركز في غرب البلاد إلى سياسة أكثر اتساعاً، تتعامل مع مراكز القوة المختلفة في الشرق والغرب والجنوب، وتبحث عن موقع مؤثر في أي تسوية سياسية مقبلة.
هذا السؤال يصبح أكثر أهمية بالنظر إلى طبيعة اللقاء والجهة المضيفة له، ولا سيما مع حضور رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، وهو حضور يمنح الاجتماع دلالة تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية.
تركيا التي دخلت بقوة إلى الملف الليبي منذ عام 2019، وبنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من العلاقات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية في غرب البلاد، تدرك اليوم أن استمرار الأزمة الليبية على صورتها الحالية يحمل مخاطر على مصالحها بقدر ما يوفر لها أدوات نفوذ.
فأنقرة لا تستطيع أن تبني استراتيجيتها المستقبلية في ليبيا على طرف واحد، مهما بلغ حجم نفوذه في مرحلة معينة. ليبيا دولة منقسمة سياسياً ومؤسسياً، ومراكز القوة فيها متعددة، وأي تسوية جدية ستحتاج في النهاية إلى التعامل مع الشرق والغرب والجنوب، وإلى مراعاة القوى المحلية والإقليمية والدولية التي أصبحت جزءاً من المعادلة.
ولذلك يمكن فهم لقاء عقيلة صالح وتكالة في أنقرة باعتباره رسالة تركية متعددة الاتجاهات.
الرسالة الأولى موجهة إلى الداخل الليبي، ومضمونها أن تركيا لا تزال قادرة على جمع شخصيات تمثل مراكز سياسية متنافسة على طاولة واحدة، وأنها لا تنظر إلى نفسها باعتبارها طرفاً محصوراً في غرب ليبيا أو حليفاً سياسياً وعسكرياً لمجموعة محددة من القوى.
وهذه النقطة مهمة للغاية. فتركيا راكمت منذ عام 2019 حضوراً عميقاً في غرب ليبيا، لكن التحولات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة جعلت من الصعب على أي قوة خارجية أن تتعامل مع ليبيا باعتبارها مساحة نفوذ أحادية الجانب.
الرسالة الثانية موجهة إلى القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر والإمارات، وربما روسيا بدرجات مختلفة، وهي أن أنقرة تريد أن تكون حاضرة في النقاش المتعلق بالترتيبات السياسية المقبلة، وألا تترك صياغة مستقبل ليبيا بالكامل لقوى أخرى.
أما الرسالة الثالثة فهي موجهة إلى المجتمع الدولي، ومفادها أن النفوذ التركي في ليبيا لا ينبغي النظر إليه باعتباره نفوذاً عسكرياً فقط، بل باعتباره ورقة سياسية يمكن تحويلها إلى قدرة تفاوضية وتأثير في شكل المؤسسات والترتيبات التي ستنتجها أي تسوية مستقبلية.
وهنا تظهر أهمية حضور إبراهيم قالن.
فوجود رئيس جهاز الاستخبارات في لقاء من هذا النوع لا يعني بالضرورة وجود اتفاق سري أو صفقة مكتملة، ولا يجوز تحويل مجرد الحضور الاستخباراتي إلى دليل قاطع على وجود تفاهمات غير معلنة. لكن من الخطأ في الوقت نفسه التعامل معه باعتباره تفصيلاً بروتوكولياً بلا دلالة.
الأجهزة الاستخباراتية في الدول التي تتعامل مع أزمات معقدة لا تعمل فقط في المجال الأمني المباشر، بل تؤدي دوراً مهماً في إدارة الاتصالات مع الأطراف السياسية والأمنية، واختبار الأفكار التي يصعب طرحها في القنوات الدبلوماسية الرسمية، وقراءة مواقف القوى المختلفة، وتهيئة الظروف لأي تفاهمات مستقبلية.
ولهذا فإن حضور قالن يمكن أن يكون مؤشراً على أن أنقرة تنظر إلى الاجتماع باعتباره جزءاً من إدارة أوسع للملف الليبي، وليس مجرد لقاء سياسي بين شخصيتين ليبيتين.
لكن التحفظ المنهجي يبقى ضرورياً.
فحتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية تسمح بالقول إن هناك صفقة تركية ليبية مكتملة، أو أن اتفاقاً جديداً جرى التوصل إليه بشأن شكل السلطة التنفيذية أو الانتخابات أو توزيع المناصب السيادية. وما يمكن الحديث عنه، بناء على المعطيات المتاحة، هو وجود محاولة لتوسيع الاتصالات وبناء مساحة جديدة للحركة التركية داخل المشهد الليبي.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: ما الذي تريده تركيا من ليبيا؟
الإجابة لا يمكن اختزالها في السياسة وحدها.
تركيا تريد أولاً حماية المكاسب التي راكمتها منذ عام 2019، وفي مقدمتها الاتفاقيات البحرية والأمنية والعسكرية التي أصبحت جزءاً من رؤيتها الاستراتيجية في شرق المتوسط.
كما تريد الحفاظ على موقعها داخل السوق الليبية، والاستفادة من فرص إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية والمقاولات، وهي قطاعات يمكن أن تتحول إلى مصالح اقتصادية طويلة الأمد إذا دخلت ليبيا مرحلة استقرار سياسي.
وفي الوقت نفسه، تحتاج أنقرة إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة بما يكفي لحماية استثماراتها واتفاقياتها، ومنع أي حكومة مستقبلية من التعامل مع المصالح التركية باعتبارها إرثاً مؤقتاً مرتبطاً بمرحلة سياسية معينة.
وهناك أيضاً البعد الأمني المتعلق بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، إضافة إلى أهمية ليبيا الجغرافية بالنسبة إلى تركيا في المتوسط وشمال أفريقيا.
لهذا فإن المصلحة التركية تبدو أقرب إلى بناء شبكة نفوذ واسعة منها إلى دعم طرف ليبي واحد.
وهنا ربما تكمن أهم دلالة في اللقاء.
تركيا لا تبدو وكأنها تتخلى عن حلفائها التقليديين في غرب ليبيا، لكنها في الوقت نفسه تبدو أكثر إدراكاً لحقيقة أن النفوذ المستدام لا يمكن أن يقوم على تحالف أحادي الاتجاه.
فالنفوذ الذي يرتبط بشخصيات أو حكومات محددة قد يتراجع بمجرد تغير السلطة، بينما النفوذ المرتبط بالمؤسسات والعلاقات المتعددة ومراكز القوة المختلفة يكون أكثر قدرة على الاستمرار.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة اللقاء باعتباره محاولة للانتقال من سياسة النفوذ المرتكز إلى سياسة النفوذ متعدد المراكز.
وهذا لا يعني أن تركيا قررت التخلي عن حلفائها في الغرب، ولا يعني أنها أصبحت متحالفة مع الشرق، وإنما يعني أنها تريد أن تكون قادرة على التواصل مع الطرفين في وقت واحد، وأن تمتلك هامشاً أكبر للمناورة إذا تغيرت موازين القوى داخل ليبيا.
وهذا التحول، إن كان قائماً بالفعل، سيكون مهماً في المرحلة المقبلة.
فالعملية السياسية الليبية لم تعد تتحرك فقط بين أطراف ليبية، وإنما أصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات القاهرة وأنقرة وأبوظبي وموسكو والعواصم الغربية، إضافة إلى الدور الذي تحاول الأمم المتحدة الحفاظ عليه باعتبارها الإطار الدولي الأكثر ارتباطاً بالمسار السياسي.
ومن ثم فإن أي توسع تركي في الشرق الليبي سيُقرأ بعناية في القاهرة، التي تنظر إلى شرق ليبيا باعتباره مجالاً حيوياً لأمنها القومي. كما ستراقبه الإمارات وروسيا، كل وفق مصالحه وحساباته، بينما ستراقب العواصم الأوروبية وواشنطن ما إذا كان التحرك التركي يمكن أن يساعد على دفع التسوية أم أنه سيضيف لاعباً خارجياً جديداً إلى معادلة الصراع.
وهنا تصبح المسألة أكبر من لقاء عقيلة صالح ومحمد تكالة.
إنها تتعلق بالسؤال الأوسع حول من سيشارك في هندسة المرحلة الليبية المقبلة.
هل ستبقى التسوية رهينة للمبادرات الدولية المتنافسة؟ وهل ستنجح الأمم المتحدة في الحفاظ على موقعها المركزي؟ أم ستتجه ليبيا إلى مرحلة تصبح فيها المبادرات الإقليمية أكثر تأثيراً من المسار الأممي؟
في تقديري، فإن تركيا تحاول أن تضمن لنفسها موقعاً في قلب هذه العملية دون أن تتحول بالضرورة إلى صاحب القرار الوحيد.
وهذا فارق مهم.
فتركيا لا تستطيع وحدها إنتاج تسوية ليبية، كما أن أي قوة إقليمية أخرى لا تستطيع ذلك. الواقع الليبي أكثر تعقيداً من أن تسمح لعاصمة خارجية واحدة بإعادة تشكيله وفق رؤيتها الخاصة.
لكن أنقرة تملك أدوات لا يمكن تجاهلها. لديها علاقات عسكرية وأمنية متجذرة، وحضور سياسي، واتفاقيات اقتصادية، وقدرة على التواصل مع قوى مؤثرة في غرب البلاد، وهي الآن تحاول على ما يبدو توسيع هذه القدرة لتشمل دوائر سياسية أوسع.
والاختبار الحقيقي لهذا التحول لن يكون في عقد لقاء هنا أو زيارة هناك، وإنما فيما سيأتي بعد اللقاء.
إذا تحولت الاتصالات إلى حوار منتظم مع شخصيات ومؤسسات من الشرق والغرب والجنوب، وإذا ظهرت تفاهمات عملية حول القوانين الانتخابية أو شكل السلطة التنفيذية أو المؤسسات السيادية، وإذا رافق ذلك تحرك اقتصادي وأمني تركي يتجاوز حدود غرب ليبيا، فسيكون من الممكن القول إن أنقرة بدأت فعلاً إعادة تموضع استراتيجي.
أما إذا بقي الأمر في حدود اللقاءات السياسية والرسائل الدبلوماسية، فإن الحديث عن تحول تركي كبير سيكون سابقاً لأوانه.
هناك أيضاً عامل آخر لا يقل أهمية، وهو ردود الفعل الإقليمية.
فأي توسع تركي في الشرق الليبي سيجعل العلاقة مع مصر أكثر أهمية. وإذا نجحت أنقرة والقاهرة في إدارة هذا التنافس ضمن تفاهمات تمنع تحويل ليبيا إلى ساحة صراع بالوكالة، فقد يتحول التنافس الإقليمي إلى عنصر ضغط باتجاه التسوية.
أما إذا عادت ليبيا إلى منطق المحاور، فإن أي محاولة تركية لتوسيع نفوذها قد تؤدي إلى ردود فعل مقابلة، بما يفتح الباب أمام مزيد من التدويل بدلاً من إنهاء الأزمة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الليبيين ليس فقط: ماذا تريد تركيا؟
بل أيضاً: ماذا يريد الليبيون أنفسهم من هذا التنافس؟
فالخطر الحقيقي لا يكمن في أن تتواصل ليبيا مع تركيا أو مصر أو الإمارات أو روسيا أو غيرها، وإنما في أن تتحول التفاهمات الخارجية إلى بديل عن القرار الليبي.
ليبيا تحتاج إلى علاقات متوازنة مع جميع القوى المؤثرة، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى مسار سياسي ليبي واضح، ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار، وترتيبات معلنة يمكن محاسبة أصحابها عليها.
ومن هنا فإن أي تفاهم تركي مع شخصيات ليبية، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى صفقة مغلقة تعيد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى تفاهمات معلنة ومؤسسية، لا إلى ترتيبات شخصية، وإلى ربط أي دعم اقتصادي أو أمني بمسار سياسي واضح، وليس بتثبيت نفوذ طرف أو إقصاء طرف آخر.
في النهاية، قد يكون لقاء عقيلة صالح ومحمد تكالة في أنقرة مجرد خطوة تكتيكية ضمن شبكة الاتصالات التركية مع الأطراف الليبية، وقد يكون بداية لتحول أوسع في السياسة التركية تجاه ليبيا.
لكن المؤشرات الحالية تسمح بقراءة أكثر حذراً: تركيا لا تنسحب من ليبيا، ولا تتخلى عن نفوذها في الغرب، لكنها تبدو في الوقت نفسه أكثر استعداداً لتوسيع دوائر نفوذها واتصالاتها خارج مناطق نفوذها التقليدية.
وهذا يعني أن أنقرة ربما بدأت تنتقل من سؤال: من هو حليفنا في ليبيا؟ إلى سؤال أكثر واقعية واستراتيجية: كيف نحافظ على مصالحنا أياً كان شكل التسوية المقبلة؟
إذا كان هذا هو الاتجاه الجديد فعلاً، فإن تركيا لا تعيد تموضعها في ليبيا فقط، بل تحاول أن تضمن لنفسها مقعداً على الطاولة التي ستُرسم عليها ملامح ليبيا المقبلة.
لكن امتلاك المقعد لا يعني امتلاك القرار.
فالقرار النهائي، إذا أُريد لليبيا أن تخرج من أزمتها، يجب أن يبقى ليبياً، وأي تسوية لا تقوم على توافق داخلي حقيقي ستظل قابلة للانهيار مهما بلغ حجم الدعم الإقليمي أو الدولي الذي يقف خلفها.




