Reading in العربية (Arabic) | Read in English
لم تعد الأزمة الليبية مجرد نزاع داخلي على السلطة ولا مجرد خلاف بين مؤسسات سياسية متنافسة بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأزمات الجيوسياسية تعقيدا في منطقة البحر المتوسط حيث تتشابك الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية وتتقاطع حسابات القوى الإقليمية مع أولويات الفاعلين الدوليين بصورة تجعل مستقبل الدولة الليبية رهينة لقدرة مختلف الأطراف على إنتاج صيغة حكم تستطيع إنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ أكثر من عقد
ومن هذا المنطلق فإن النقاش الدائر داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية لم يعد يتركز على السؤال التقليدي المتعلق بمن يحكم ليبيا بل أصبح يدور حول سؤال أكثر عمقا يتعلق بكيفية إعادة بناء الدولة ومن يمتلك الشرعية السياسية والأمنية لإدارة هذه العملية وما إذا كانت الأولوية ينبغي أن تمنح لإعادة تشكيل السلطة أولا أم لإعادة الاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر الانتخابات
وتعكس النقاشات المتداولة خلال المرحلة الأخيرة وجود رؤيتين مختلفتين لإدارة المشهد الليبي لا تمثلان مجرد اختلاف في الوسائل بقدر ما تعبران عن فلسفتين سياسيتين متباينتين في فهم طبيعة الأزمة ذاتها
الرؤية الأولى تنطلق من افتراض أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة شرعية انتخابية فقط وإنما أصبحت أزمة بنيوية تمس طبيعة المؤسسات القائمة وقدرتها على ممارسة وظائف الدولة ولذلك ترى أن إعادة إنتاج المؤسسات الحالية عبر انتخابات قد لا يكون كافيا لإنهاء الانقسام ما لم يسبق ذلك إنشاء سلطة تنفيذية جديدة تمتلك القدرة على توحيد القرارين السياسي والعسكري وإعادة فرض سلطة الدولة على كامل التراب الليبي
أما الرؤية الثانية فترى أن أي محاولة لإعادة تشكيل السلطة خارج إطار التفويض الشعبي سوف تؤدي إلى تمديد المرحلة الانتقالية وإنتاج مؤسسات جديدة تواجه أزمة الشرعية نفسها التي تعاني منها المؤسسات الحالية ولذلك فإن الطريق الأقل كلفة والأكثر استدامة يتمثل في الذهاب المباشر إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية باعتبارها المصدر الوحيد القادر على منح النظام السياسي المقبل شرعية يصعب الطعن فيها
ويكشف هذا التباين أن جوهر الخلاف لا يتعلق بالأسماء التي قد تتولى المناصب العليا وإنما يتعلق بطبيعة الدولة الليبية التي يراد بناؤها خلال السنوات المقبلة فهناك من يرى أن الدولة تحتاج أولا إلى سلطة قوية تستطيع فرض الاستقرار قبل البحث عن الشرعية الانتخابية وهناك من يرى أن الشرعية هي الشرط الأول للاستقرار وأن أي سلطة لا تستند إلى تفويض شعبي ستظل عرضة للاهتزاز مهما بلغت قدرتها التنفيذية
وفي تقدير الكثير من المراقبين فإن هذا الجدل يعكس أيضا اختلافا في قراءة التجربة الليبية منذ عام ألفين وأحد عشر إذ أثبتت السنوات الماضية أن الاتفاقات السياسية وحدها لم تكن كافية لإنهاء الانقسام كما أثبتت في المقابل أن الانتخابات لا يمكن أن تنجح في ظل بيئة أمنية ومؤسساتية منقسمة وهو ما يجعل كل طرف يستند إلى جزء من التجربة الليبية لتبرير رؤيته للمستقبل
غير أن البعد الأكثر أهمية يتمثل في أن مستقبل ليبيا لم يعد يصنع داخل حدودها فقط فقد أصبحت البلاد تمثل عنصرا مؤثرا في معادلات الأمن الإقليمي وأمن الطاقة والهجرة غير النظامية والتوازنات العسكرية في البحر المتوسط وهو ما منح القوى الدولية دورا متزايدا في رسم ملامح المرحلة المقبلة
وفي هذا السياق لا يبدو مستغربا أن تتعدد الرؤى الدولية حول كيفية إدارة الأزمة فالاستقرار بالنسبة لبعض الفاعلين قد يعني وجود سلطة تنفيذية موحدة قادرة على اتخاذ القرار بسرعة وضمان استمرار إنتاج الطاقة وحماية المصالح الأمنية بينما يرى آخرون أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر مؤسسات تستمد شرعيتها من صندوق الاقتراع وتحظى باعتراف شعبي واسع
وهذا التباين في المقاربات لا يعكس بالضرورة تناقضا كاملا في الأهداف بقدر ما يعكس اختلافا في ترتيب الأولويات فالجميع يتحدث عن الاستقرار والجميع يعلن دعمه لوحدة ليبيا والجميع يؤكد أهمية بناء مؤسسات الدولة إلا أن الخلاف يبدأ عند تحديد الطريق الذي يقود إلى هذه الغاية
وتبقى المؤسسة العسكرية واحدة من أكثر الملفات حساسية في أي تصور للمستقبل إذ إن أي عملية سياسية لا تستطيع تجاهل حقيقة أن توحيد المؤسسة العسكرية يمثل شرطا أساسيا لبناء دولة مستقرة وفي المقابل فإن أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد العسكري خارج إطار توافق وطني واسع قد تؤدي إلى تعميق الانقسام بدلا من إنهائه
كما أن الاقتصاد الليبي يظل عاملا حاسما في تحديد فرص نجاح أي تسوية فالدولة تمتلك موارد كبيرة لكنها تعاني من انقسام إداري ومؤسساتي يؤثر بصورة مباشرة في كفاءة إدارة هذه الموارد ولذلك فإن أي مشروع سياسي لا يقدم رؤية واضحة لإصلاح المؤسسات الاقتصادية وتوحيدها سيجد نفسه عاجزا عن تحقيق الاستقرار حتى وإن نجح في معالجة جزء من الأزمة السياسية
ولا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي للأزمة فقد أدى طول المرحلة الانتقالية إلى تراجع ثقة المواطن الليبي في الطبقة السياسية وفي قدرة المؤسسات على إنتاج حلول حقيقية وهو ما يجعل استعادة الثقة العامة واحدة من أصعب المهام التي ستواجه أي سلطة جديدة أيا كان شكلها أو مصدر شرعيتها
ومن هنا فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في إعادة توزيع المناصب ولا في تبديل أسماء المسؤولين وإنما في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس سيادة القانون واستقلال المؤسسات والشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص وهي المبادئ التي تشكل الأساس لأي نظام سياسي قادر على البقاء
إن التجارب المقارنة في الدول الخارجة من النزاعات تظهر أن الاتفاقات السياسية قد توقف الصراع لكنها لا تبني الدولة وأن الانتخابات قد تمنح الشرعية لكنها لا تنتج تلقائيا مؤسسات فعالة وأن الاستقرار الدائم يحتاج إلى توازن دقيق بين الشرعية والكفاءة وبين التوافق السياسي والإصلاح المؤسسي
ولذلك فإن مستقبل ليبيا لن تحدده فقط طبيعة التسويات التي قد يتم التوصل إليها خلال الأشهر المقبلة وإنما ستحدده قدرة هذه التسويات على التحول من اتفاقات بين النخب إلى عقد وطني جديد يشعر المواطن الليبي بأنه شريك فيه وليس مجرد متلق لنتائجه
إن أكبر تحد يواجه ليبيا اليوم لا يتمثل في اختيار أحد المسارين المتداولين بقدر ما يتمثل في تجنب الوقوع مرة أخرى في دائرة الحلول المؤقتة التي تؤجل الأزمة من دون أن تعالج أسبابها فالدول لا تستقر عندما تتغير الحكومات فقط بل عندما تصبح قواعد انتقال السلطة واضحة وتحظى باحترام الجميع وعندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص وعندما تكون المصلحة الوطنية أعلى من الحسابات الفئوية والإقليمية والدولية
ولهذا فإن أي مبادرة سياسية مهما بلغ حجم الدعم الذي تحظى به لن تحقق الاستقرار ما لم تنجح في بناء توافق ليبي واسع يحول الدولة من ساحة لتوازنات القوى إلى دولة مؤسسات وسيادة وقانون لأن التاريخ السياسي يعلمنا أن الاستقرار الذي يفرض من الخارج قد ينجح في احتواء الأزمة مؤقتا لكنه لا يستطيع وحده أن يؤسس لسلام مستدام أما السلام الحقيقي فإنه يبدأ عندما تصبح الشرعية نابعة من الداخل وعندما تتحول الدولة إلى الإطار الجامع لجميع مواطنيها دون استثناء.
