Reading in العربية (Arabic) | Read in English
لا يمكن لأي أمة أن تبني وعيًا تاريخيًا سليمًا إذا كانت تتعامل مع تاريخها بمعيارين؛ معيار يشتد عندما يتعلق الأمر بخصومها، ومعيار آخر يلين عندما يتعلق الأمر بمن تعتبرهم جزءًا من تاريخها السياسي أو المذهبي. فالعدل لا يتجزأ، والحق لا يتغير بتغير الأشخاص، والدم لا تختلف حرمته باختلاف الانتماءات.
من يراقب الخطاب الديني في العقود الأخيرة يلاحظ ظاهرة تستحق التوقف عندها، وهي الانتقائية في استحضار التاريخ. فهناك أحداث تُستدعى باستمرار لإثارة الغضب وإطلاق أحكام التكفير والتفسيق، بينما تُدفن أحداث أخرى لا تقل خطورة، بل ربما كانت أعظم أثرًا في تاريخ الأمة الإسلامية.
لقد قُتل الإمام الحسين بن علي، سبط رسول الله ﷺ، مع أهل بيته وأصحابه في واحدة من أكثر المآسي تأثيرًا في التاريخ الإسلامي. ثم جاءت واقعة الحرة، حيث استُبيحت المدينة المنورة، مدينة رسول الله ﷺ، وسقط فيها عدد كبير من القتلى، وتعرض أهلها لانتهاكات جسيمة كما تذكر المصادر التاريخية الإسلامية. وبعد ذلك تعرضت الكعبة المشرفة أثناء الصراع مع عبد الله بن الزبير للحصار والقصف، وهو حدث بقي حاضرًا في كتب التاريخ باعتباره من أخطر ما شهدته مكة في صدر الإسلام.
هذه الوقائع ليست روايات هامشية، ولا هي من اختراع مدرسة تاريخية دون أخرى، بل وردت في مصادر تاريخية إسلامية معروفة، واختلف المؤرخون في بعض تفاصيلها، لكنهم لم يختلفوا في أصل وقوعها.
ومع ذلك، يثور سؤال مشروع: لماذا لا تحظى هذه الأحداث بالحضور نفسه في الخطاب الديني الذي يرفع شعار الدفاع عن المقدسات؟ ولماذا تتحول بعض القضايا المعاصرة إلى سبب لإطلاق أحكام التكفير والتفسيق، بينما تُفسر تلك الوقائع التاريخية على أنها اجتهادات سياسية أو فتن يجب السكوت عنها؟
إن احترام التاريخ لا يعني تقديس الأشخاص، كما أن نقد الوقائع لا يعني الطعن في الإسلام أو في الأمة. فالتاريخ الإسلامي، كغيره من تواريخ الأمم، شهد صفحات مشرقة وصفحات مؤلمة، وإنكار الصفحات المؤلمة لا يخدم الحقيقة، بل يفتح الباب أمام قراءة انتقائية للتاريخ.
وفي المقابل، يكثر الحديث عن إيران أو عن الشيعة باعتبارهم انتهكوا الحرمات وسفكوا الدماء في أكثر من ساحة. ولا شك أن أي انتهاك لدماء الأبرياء أو للمقدسات يستحق الإدانة، أياً كان مرتكبه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكون الموقف واحدًا عندما يتعلق الأمر بكل الأطراف؟ أم أن معيار الإدانة يتبدل بتبدل الهوية المذهبية؟
إذا كانت حرمة الدم هي الأساس، فإن دم الإمام الحسين وأهل بيته أولى الناس بالدفاع عنه. وإذا كانت حرمة المقدسات هي المعيار، فإن المدينة المنورة والكعبة المشرفة ليستا أقل قداسة من أي مكان آخر. وإذا كان الاعتداء على المسلمين جريمة، فإن هذا المبدأ يجب أن يطبق على جميع الوقائع دون انتقاء.
أما قضية سب الصحابة وأمهات المؤمنين، فهي من أكثر القضايا التي تُستعمل في تأجيج الانقسام المذهبي. ولا خلاف بين جمهور المسلمين على أن الإساءة إلى رموز الإسلام أمر مذموم، كما أن عددًا من كبار مراجع الشيعة أصدروا فتاوى تحرم سب أمهات المؤمنين والإساءة إلى مقدسات أهل السنة. وفي المقابل، فإن جمهور علماء أهل السنة لا يعد مجرد سب الصحابة كفرًا مخرجًا من الإسلام، وإن عدوه كبيرة من الكبائر ومنكرًا عظيمًا.
ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن المصادر التاريخية الإسلامية تذكر أن سب الإمام علي بن أبي طالب استمر على منابر الدولة الأموية سنوات طويلة، حتى أوقفه الخليفة عمر بن عبد العزيز. كما تذكر تلك المصادر أن الامتناع عن المشاركة في هذا السلوك كان قد يعرض صاحبه للعقوبة. ومع ذلك، لم يتحول هذا الفصل من التاريخ إلى أساس لإخراج أمة بأكملها من الإسلام، ولا إلى مبرر لتكفير كل من انتسب إلى ذلك العصر.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف المسلمين في قراءة التاريخ، فهذا أمر طبيعي، وإنما يكمن في تحويل التاريخ إلى سلاح يُستخدم ضد الخصوم فقط، وإلى وسيلة لاحتكار الحقيقة الدينية، وإصدار الأحكام على ملايين المسلمين بناءً على مواقف سياسية أو مذهبية.
لقد علمنا القرآن الكريم أن العدل قيمة مطلقة، فقال تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. فالعدل لا يكون مع الموافق فقط، وإنما مع المخالف أيضًا. والإنصاف لا يقتصر على من نتفق معه، بل يشمل من نختلف معه.
إن الأمة الإسلامية اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من خطابات التكفير، ولا إلى إعادة إنتاج صراعات الماضي، وإنما تحتاج إلى خطاب يعترف بأخطاء التاريخ، ويفرق بين نقد الوقائع التاريخية وبين تحويل الخلافات إلى وقود للصراعات المذهبية المعاصرة.
إن من يريد الدفاع عن المقدسات يجب أن يدافع عنها في كل زمان ومكان، ومن يريد الدفاع عن الدماء المعصومة يجب أن يجعل ميزانه واحدًا لا يتغير بتغير الأسماء أو الرايات. فالعدالة لا تعرف المذهب، والحق لا يُقاس بالانتماء، والتاريخ لا ينبغي أن يُقرأ بعيون الانتقاء، لأن الأمة التي تنظر إلى ماضيها بمعيارين ستجد نفسها عاجزة عن بناء مستقبل يقوم على معيار واحد هو العدل.


