Reading in العربية (Arabic) | Read in English
إنّ التعرّض والاساءة لمقام غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي يُعدّ سلوكًا مُشينًا ومُخزيًا و يعكس انحدارًا أخلاقيًا غير مقبول، إنه مرفوض ومدان بكل المقاييس الأخلاقية والروحية والوطنية. إذ لا يمثّل شخصه الكريم فحسب، بل يتخطى البعد الروحي الديني الماروني لانه يجسّد تاريخًا من الرسالة المتجذّرة في لبنان، المنفتحة على محيطها العربي والعالمي على مختلف الديانات، حاملةً قيمًا إنسانية وعبراً وطنية تعكس وجه لبنان الحضاري. كما يمثل صرحًا دينيًا راسخًا ثابتاً على المحبّة والعيش المشترك وصون الكرامة الإنسانية.
إنّ كرامة البطريرك الماروني خطٌّ أحمر، والإساءة إليه ليست موجّهة إلى شخصه فحسب، بل تطال طائفةً بأكملها، وتضرب في عمق أسس العيش المشترك التي هي جوهر هذا الوطن. فالتحريض لا يبني وطنًا، وإشعال الفتن لا يولّد إلا الخراب، أمّا الاحترام المتبادل فهو الطريق الوحيد نحو الاستقرار الحقيقي. لبنان، في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه، لا يحتمل مزيدًا من الاضطرابات ولا مغامرات الفتنة، بل يحتاج إلى حكمةٍ جامعة تُعلي شأن الحوار وتحصّن الوحدة الوطنية. لذا يجب ضبط هذا الانفلات الخطير ووضع حدّ للتجاوزات والإساءات للمقامات الروحية التي تبثّ الكراهية وتؤجّج الانقسام وتُفاقم التوتّر.
إنّ المساس بهذه القامة الروحية الرفيعة هو انفلات وتدهور اخلاقي خطير في الخطاب والسلوك، وتعدٍّ على رمزية دينية ووطنية لطالما شكّلت صمّام أمان في وجه الانقسامات، ومنارةً للدعوة إلى السلام والحياد ووقف الحروب. فالبطريركية المارونية لم تكن يومًا طرفًا في نزاع، بل كانت صوت الضمير، الحارس الأمين للثوابت اللبنانية الوطنية، والساعي إلى جمع القلوب لا تفريقها. كما يشدّد القادة الروحيون المسيحيون في عظاتهم باستمرار على ضرورة حماية لبنان وصون حدوده وعلى ترسيخ ثقافة التلاقي والانفتاح بين الجميع، بما يعزّز الوئام والألفة والوحدة الوطنية بين مكوّنات المجتمع، ويُسهم في إرساء الاستقرار وتوطيد التآلف. وأكبر دليل على ذلك استقبال المسيحيين للنازحين الجنوبيين الشيعة في مناطقهم خلال الأزمات والحروب.
إنّ التعرّض للكرسي البطريركي لا يصدر إلا عن جهلٍ بتاريخ هذا الصرح ومكانته، فالبطريركية المارونية ليست فقط مقامًا دينيًا فحسب، بل ركيزة وطنية من ركائز الكيان اللبناني. هي من أسّست وأرست معالم لبنان الحديث بصيغته، وكل تطاول عليها هو تعدٍّ على الذاكرة الوطنية والهوية الجامعة.
المتطاولون على الكرسي البطريركي غوغائيون وقليلو المعرفة، لم يطّلعوا على التاريخ العريق لهذا الصرح، لأنّ قياداتهم لا تُعلِّمهم تاريخ لبنان في مناهجها ومدارسها. فليعلموا أنّ الصرحَ البطريركي لعب دورًا أساسيًا في نشوء هذا الكيان وهو صاحبُ الدورِ المحوريّ لقيام دولة لبنان الكبير كدولة متعددة بتنوعها. كان البطريركُ الماروني الياس بطرس الحويك عرّابَ تأسيسه، كما شارك في ترسيم حدود لبنان الكبير عام 1920. الا انه رفض الطرح الفرنسي بضم وادي النصارى وصيدنايا ومعلولا (داخل سوريا حالياً) معارضاً فكرة “لبنان المسيحي الصغير”، ففضّل ضم جبل عامل (الجنوب حالياً) بأكثرية المتاولة (الشيعة) والبقاع لتأسيس دولة أوسع وأكثر تنوعاً “دولة لبنان الكبير” وهو ما أسهم في رسم حدود لبنان الحالي.
بدل أن تُقابَل البطريركية بالشكر على دورها التاريخي، تُواجَه اليوم بحملات تهجّم واساءات. من المؤسف جداً أن الجهات التي استفادت من هذا القرار التاريخي والوطني هي نفسها التي تسيء اليوم إلى هذا الموقع، فتنزلق إلى مستوى الإهانة والتشويه، بدل أن تستند إلى معرفة دقيقة بالتاريخ، ما يشكّل نوعًا من التناقض و نكران الجميل. فلولا مطالبة البطريرك الحويك آنذاك بضمّ الجنوب إلى دولة لبنان الكبير، لكان جبل عامل، المحاذي للجولان، قد اتجه نحو الانضمام إلى سوريا (وفق ما نُسب إلى رغبات الشيعة آنذاك)، وقد لاق المصير نفسه ووقع تحت الاحتلال الاسرائيلي. علاوة على ذلك، كانوا سيصبحون أقلية محدودة جداً في النسيج الاجتماعي السوري ومهمشة الحضور والتأثير.
انّ صون الكرامات الروحية والوطنية هو جزءٌ لا يتجزأ من حماية الكيان، ومسؤوليةٌ مشتركة تقع على عاتق الجميع. فالكلمة، إن لم تكن جسراً للتلاقي قد تتحوّل إلى أداة هدم وانقسام، فارتقوا بخطاباتكم، واحفظوا للمقاماتِ الروحيةِ هيبتَها وقدسيّتَها, لأنّ في ذلك حفظًا لوحدتنا، وصونًا لرسالتنا، وإيمانًا بأنّ الوطن لا ينهضُ إلا إذا سادت القيمُ، وتحقق احترامُ الآخرِ رغمَ التباينِ في الفكرِ والدينِ .
ستظل بكركي الشامخة، قلعةً وطنيّةً عصيّةً على النيل، حارثة لارز الرب، ومرجعيّةً راسخةً لا تُكسَر مهما تعاظمت حملاتُ التشويه والتطاول، لأنّها متجذّرةٌ في عمق التاريخ. من بكركي يعلو مجدُ لبنان وتُصان هويّتُه من الانكسار!

