Reading in العربية (Arabic) | Read in English
حين ورد اسم الدكتور عماد برّو ضمن قائمة تكريمات عيد ميلاد الملك لعام 2026، جاء التكريم بعبارة مختصرة ولكنها تحمل الكثير من المعاني: منحه وسام أستراليا في الدرجة العامة OAM تقديراً لخدمته للجالية العربية في ولاية نيو ساوث ويلز.
غير أنّ خلف هذه العبارة الرسمية تقف مسيرة طويلة وغنية من العمل العلمي والإنساني والاجتماعي والثقافي، امتدت من المختبرات والمؤسسات الصحية في لبنان إلى ساحات العمل العام والمجتمعي في أستراليا. فالدكتور برّو لم يكن مجرد اسم في مؤسسة أو منصب في جمعية، بل شخصية جمعت بين الاختصاص العلمي العميق، والالتزام الإنساني، والقيادة الهادئة في خدمة المجتمع.
إن تكريمه بوسام أستراليا لا يعكس إنجازاً واحداً، بل حصيلة عقود من العطاء في مجالات متعددة، أبرزها الصحة العامة، علم الأحياء الدقيقة، التوعية المجتمعية، الحوار الثقافي، العمل الإنساني، وخدمة الجاليتين العربية واللبنانية في أستراليا.
عالم وضع معرفته في خدمة الناس
قبل أن يصبح اسمه مرتبطاً بالعمل المجتمعي في أستراليا، بنى الدكتور عماد برّو مسيرة علمية ومهنية راسخة في مجال الأحياء الدقيقة الطبية والمناعة. فقد تخصّص في علم الميكروبيولوجيا الطبية التطبيقية والمناعة، وهو مجال يرتبط مباشرة بصحة الإنسان، وتشخيص الأمراض، والوقاية من العدوى، وسلامة المياه، وأنظمة الصحة العامة.
في لبنان، شغل الدكتور برّو مناصب مهمة في المجال الصحي والمخبري، من بينها إدارة مختبر الأمراض المعدية في وزارة الصحة العامة بين عامي 1986 و1994. كما ارتبط اسمه بمواقع مهنية وأكاديمية في مستشفيات ومؤسسات تعليمية، من بينها مستشفى البربير، ومستشفى الشرق الأوسط، وجامعة القديس يوسف في بيروت، والجامعة العربية في بيروت.
هذه المواقع لم تكن مجرد محطات مهنية، بل وضعت الدكتور برّو في قلب العمل الصحي العام، حيث تلتقي الخبرة العلمية بالمسؤولية تجاه المجتمع. فالتعامل مع الأمراض المعدية والصحة العامة يتطلب أكثر من المعرفة التقنية؛ يتطلب دقة، وضميراً مهنياً، وقدرة على اتخاذ قرارات تؤثر في حياة الناس وسلامتهم.
وبعد انتقاله إلى أستراليا، واصل الدكتور برّو استخدام خبرته العلمية في مجالات مرتبطة بالصحة العامة وسلامة المياه، من خلال عمله في أدوار متخصصة مع جهات مرتبطة بتحليل المياه ومعايير السلامة. وهنا أيضاً، بقي عمله مرتبطاً بجوهر الصحة العامة، لأن المياه الآمنة تمثل أحد أهم أسس الوقاية وحماية المجتمع.
كما ارتبط اسمه بعدد من الهيئات العلمية والطبية والمهنية، من بينها الجمعية الأسترالية لعلم الأحياء الدقيقة، والجمعية الطبية اللبنانية الأسترالية، إضافة إلى زمالته في مؤسسة مهنية متخصصة في المياه والبيئة.
ما يميز هذا الجانب من مسيرته أن العلم لم يكن بالنسبة إليه مجالاً منعزلاً عن الناس، بل وسيلة لخدمتهم.
صوت موثوق في التوعية الصحية
لم يحتفظ الدكتور برّو بخبرته داخل المختبرات والمؤسسات، بل نقلها إلى المجتمع من خلال الإعلام والتوعية العامة، خصوصاً للجاليات الناطقة بالعربية في أستراليا.
فقد شارك في مقابلات إعلامية عبر SBS Arabic تناولت موضوعات صحية مهمة، من بينها عدوى الليستيريا وسلامة مياه الشرب في أستراليا. وقد تبدو هذه الموضوعات بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تمثل جزءاً أساسياً من الصحة العامة، خصوصاً بالنسبة للمهاجرين الذين قد يحتاجون إلى معلومات واضحة وموثوقة بلغتهم الأم.
من خلال هذه المشاركات، ساهم الدكتور برّو في تبسيط المفاهيم العلمية، وشرح المخاطر الصحية، وتصحيح المعلومات، وتعزيز ثقة أفراد المجتمع بالأنظمة الصحية والمعايير المعتمدة في أستراليا.
هذا النوع من العمل لا يظهر دائماً في العناوين الكبرى، لكنه ذو أثر عميق. فالتوعية الصحية الدقيقة قد تمنع الخوف، وتحد من الشائعات، وتساعد العائلات على اتخاذ قرارات أفضل لحماية نفسها وأطفالها وكبار السن.
قيادة في خدمة الجالية العربية واللبنانية
تُبرز مواد التكريم الرسمية للدكتور برّو مساهمته الطويلة في خدمة الجالية العربية في نيو ساوث ويلز، من خلال أدوار قيادية ومجتمعية في مؤسسات مثل Arab Council Australia، والمنتدى الثقافي في سيدني، والمركز الثقافي العربي الأسترالي.
وتلعب هذه المؤسسات دوراً مهماً في دعم حضور العرب في أستراليا، ليس فقط من خلال الحفاظ على اللغة والهوية والثقافة، بل أيضاً من خلال تشجيع المشاركة المدنية، وبناء الجسور مع المجتمع الأسترالي الأوسع، والدفاع عن قضايا الجالية.
من خلال هذه الأدوار، ساهم الدكتور برّو في تعزيز صورة الجالية العربية كجزء فاعل ومنتج من المجتمع الأسترالي. فقد آمن بأن التعددية الثقافية لا تعني الانغلاق داخل الهوية الأصلية، بل تعني المشاركة الإيجابية، والتواصل، وإظهار أفضل ما تحمله الجاليات من قيم وخبرات ومساهمات.
كما بقي لبنان حاضراً بقوة في مسيرته العامة. فقد نال تكريمات لبنانية رسمية تقديراً لجهوده في تعزيز الروابط بين أستراليا ولبنان وخدمة أبناء الجالية. وهذا يعكس طبيعة دوره كجسر بين وطنين: لبنان الذي حمل منه الذاكرة والانتماء، وأستراليا التي ساهم في خدمتها وبناء مجتمعها المتعدد الثقافات.
التزام إنساني واجتماعي
لا تقتصر مسيرة الدكتور برّو على العلم والقيادة الثقافية، بل تشمل أيضاً العمل الإنساني والاجتماعي. فقد ارتبط اسمه بمبادرات ومؤسسات ذات طابع إنساني، من بينها العمل مع أطباء بلا حدود، وتأسيس مركز الحماية المدنية في بيروت، ومؤسسة الهدى للرعاية الاجتماعية للشباب.
هذه الجوانب تكشف عن بعد آخر في شخصيته: المبادرة العملية. فخدمة المجتمع لا تكون فقط عبر الخطابات أو المناصب، بل عبر إنشاء مؤسسات، ودعم الشباب، والاستجابة للحاجات الاجتماعية، والمساهمة في حماية الناس وقت الأزمات.
وفي أستراليا، حظي الدكتور برّو بتقدير عدد من المؤسسات والجمعيات تقديراً لدوره الطبي والإنساني والاجتماعي، خصوصاً في مراحل صعبة شهدت أزمات صحية وإنسانية، من بينها جائحة كورونا والأزمات المتلاحقة في لبنان.
في هذه الظروف، تبرز قيمة الشخصيات التي تجمع بين المعرفة والقدرة على التواصل والثقة المجتمعية. والدكتور برّو كان من بين هذه الشخصيات التي استطاعت أن تضع خبرتها وشبكتها وعلاقاتها في خدمة الناس.
حوار ثقافي وروحي من أجل التفاهم
إلى جانب العمل الصحي والمجتمعي، كان للدكتور برّو حضور في مجالات الحوار الثقافي والإنساني. ففي عام 2019، قدّم في سيدني محاضرة حول وثيقة الأخوة الإنسانية، التي وقّعها البابا فرنسيس والإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب.
هذا الاهتمام بالحوار يعكس رؤية أوسع للخدمة العامة. فالدكتور برّو لم يحصر دوره في دعم جالية معينة فحسب، بل ساهم في نشر قيم الاحترام المتبادل، والتفاهم، والتعايش، وبناء مساحات مشتركة بين الثقافات والأديان والمجتمعات.
في بلد مثل أستراليا، حيث تشكل التعددية الثقافية جزءاً أساسياً من الهوية الوطنية، يكون لمثل هذا العمل أهمية خاصة. فهو يساعد في تحويل التنوع من مجرد واقع اجتماعي إلى مصدر قوة وتماسك.
نشاطه الحالي ودوره المستمر
تكريم الدكتور عماد برّو بوسام أستراليا لا يأتي في نهاية مسيرته، بل في وقت لا يزال فيه ناشطاً في الحياة المجتمعية والثقافية.
ففي عام 2026، أُعلن عن توليه منصب الأمين العام للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم – أستراليا وأوقيانيا، ضمن مرحلة جديدة تهدف إلى إعادة تنشيط دور الجامعة وتعزيز حضورها الثقافي والاجتماعي، ودعم الشباب، والحفاظ على الهوية اللبنانية، وتشجيع الاندماج الإيجابي في المجتمع الأسترالي.
كما شارك ضمن وفد من الجامعة اللبنانية الثقافية في لقاءات مع مسؤولين أستراليين، من بينها زيارة إلى مكتب الوزير الفدرالي توني بيرك في سيدني لتقدير الدعم الإنساني الأسترالي للبنان. وتُظهر هذه التحركات استمرار دوره في تمثيل قضايا الجالية، وربط العمل الثقافي بالعمل الإنساني والدبلوماسي المجتمعي.
هذا النشاط الحالي يؤكد أن وسام أستراليا لم يكن تكريماً لماضٍ انتهى، بل اعترافاً بمسيرة لا تزال مستمرة.
لماذا استحق الدكتور عماد برّو وسام أستراليا؟
يمكن فهم أسباب تكريم الدكتور عماد برّو بوسام أستراليا من خلال عدة مستويات.
أولاً، لأنه قدّم خدمة طويلة ومستمرة للجالية العربية في نيو ساوث ويلز، عبر مؤسسات مجتمعية وثقافية عملت على دعم الهوية والمشاركة والتمثيل.
ثانياً، لأنه استخدم خبرته العلمية في خدمة الصالح العام، سواء من خلال العمل في الصحة العامة أو التوعية أو تقديم المعرفة الطبية للمجتمع بطريقة مفهومة وقريبة من الناس.
ثالثاً، لأنه ساهم في بناء جسور بين الثقافات، من خلال الحوار، والمحاضرات، والعمل المؤسساتي، وتمثيل الجالية بطريقة إيجابية ومسؤولة.
رابعاً، لأنه لم يفصل بين الانتماء اللبناني والمواطنة الأسترالية، بل جعل من الاثنين مصدر قوة، فخدم أستراليا من موقعه كمواطن فاعل، وحافظ في الوقت نفسه على روابطه بلبنان والجالية اللبنانية العالمية.
خامساً، لأن عمله حمل طابعاً إنسانياً واضحاً، من خلال مبادرات ومساهمات مرتبطة بالرعاية الاجتماعية، وحماية المجتمع، ودعم المتضررين في أوقات الأزمات.
إرث من العمل الهادئ والمؤثر
هناك شخصيات تُعرف بإنجاز واحد كبير، وهناك شخصيات تُبنى مكانتها من خلال الاستمرارية. الدكتور عماد برّو ينتمي إلى الفئة الثانية.
فقيمته لا تكمن في منصب واحد أو لقب واحد، بل في تراكم سنوات من العمل، والعطاء، والمشاركة، وبناء المؤسسات، وخدمة الناس بصمت وثبات. لقد جمع بين العلم والإنسانية، وبين الهوية والانفتاح، وبين الخبرة المهنية والالتزام المجتمعي.
لذلك، فإن منحه وسام أستراليا هو أكثر من تكريم شخصي. إنه أيضاً اعتراف بدور الجالية العربية واللبنانية في بناء أستراليا الحديثة، وبأهمية القادة الذين يعملون لسنوات طويلة بعيداً عن الضجيج، ولكن أثرهم يبقى حاضراً في الناس والمؤسسات والعلاقات التي ساهموا في بنائها.
الدكتور عماد برّو OAM هو واحد من هؤلاء القادة.
إنه نموذج للعالم الذي لم ينسَ مجتمعه، وللمهاجر الذي حوّل تجربته إلى جسر بين الثقافات، وللرجل الذي جعل من المعرفة والخدمة العامة طريقاً واحداً نحو الخير العام.

